آخر المستجدات
مجلس النواب يرفض رفع الحصانة عن النائبين صداح الحباشنة وغازي الهواملة فيديو || النواب يسمح بملاحقة الوزيرين سامي هلسة وطاهر الشخشير - اسماء النيران تلتهم مدرسة في الرمثا: تعرض 27 معلما وطالبا لضيق تنفس.. والنعيمي يتوجه إلى الموقع طلبة "أبو ذر" يمتنعون عن الدراسة احتجاجا على توقيف زملائهم المحاسبة يكشف تفاصيل “شحنة ثوم فاسدة” منخفض جوي يؤثر على المملكة العاملون في البلديات لن تشملهم زيادة الرواتب الجديدة سيارات نواب رئيس جامعة البلقاء حرقت بنزين بـ 24 ألف دينار (جدول) صرف مكافأة 7250 ديناراً لوزير زراعة سابق دون وجه حق إخماد حريق "هيترات" ماء فندق في العقبة تلاعب في “ترشيحات المنحة الهنغارية” وتحويل القضية لمكافحة الفساد ديوان المحاسبة: "الأمن" اشترت مركبات بـ798 ألفاً دون طرح عطاء​ المحاسبة: اعفاء سبائك واونصات ذهبية من رسوم وضرائب بـ 5.416 مليون دينار توافق نقابي حكومي على علاوات المسارات المهنية المحاسبة يكشف ارتفاعا مبالغا فيه برواتب وبدلات موظفين في "تطوير العقبة" - وثيقة منح مدير شركة البريد مكافأة (35) ألف دينار بحجة تميّز الأداء رغم تحقيق الشركة خسائر بالملايين! ذوو متوفى في البشير يعتدون على الكوادر الطبية.. وزريقات يحمّل شركة الامن المسؤولية - صور رصاصة اللارحمة على الجوردان تايمز.. خطيئة البيروقراط الإداري تعادل الحسين اربد وكفرنجة بدوري كرة اليد اعلان تفاصيل علاوات أطباء وزارة الصحة الجديدة
عـاجـل :

العَهد

احمد سليمان العمري
 
 
كنت حتى مطلع الشهر الماضي أكتوبر/تشرين الأول أسمع من صحبي وأهلي ذات الكلمات، وبعد كل مقال تحثني على توخي الحرص والحذر والحيطة وعدم طرح المواضيع السياسية الحسّاسة أو التجرؤ على حكومة الاحتلال، خوفاً عليّ بتقديم أمثلة ممّن دخل سجونهم لأعوام بسب نقد أو رفض لم يتجاوز حد الكتابة، وآخرون لغاية الآن لم يروا الشمس. ناهيك عن معتقلي الرأي العام في الدول العربية، فحدّث ولا حرج.

حتى مطلع الشهر السالف كانت ذريعة صحبي وأهلي أنّ أحد أهم الأسباب التي تمنحني القوة في الحديث والنقد دون تحرّج من حكومة أو موضوع، هي أنّني واحد أحد وليس لي ولد، ليس هناك أنفاس بريئة تملأ أركان البيت حبوراً وسروراً، نخاف عليهم وعلى اللّقمة التي تُلجم كثير الأحرار في الوطن الكبير - أعذرهم حيناً - الذي ضاق على أهله من شدّة الظلم والتنفّذ اللذان يسيطران على جلّ الشارع العربي من البحر إلى المحيط، وقلت "جلّ" رغم يقيني الصخري بكلّ الشارع العربي، غير أنّني من باب الإنصاف والخوف من الوقوع في الخطأ أترك مساحة للمنصفين من الدول التي لا أظنّها موجودة.

أوشك شهر أكتوبر/تشرين الأول على الانقضاء وطقس بيت لحم بدا يتغيّر وينجلي حرّه ونسمات آتية من جبل أبو غنيم وحلحول تجد في أحياء المدينة مسكناً لها بدءاً من الجدار العنصري مروراً بأسواقها القديمة قريبة من مشفى الدبس، حيث زوجتي بين يديّ الله والأطباء يجرون عملية ولادة، وأنا في الخارج يخفّف عليّ وقع الحدث أهلٌ وأصدقاءٌ وخلّان وصفاء الصباح بعد ساعة بشّر بمولودتنا البكر "لين" وما أخطأت أمّها - نصفي الأجمل - اسمها، فقد أتت ورأيتها بعدما رضيت بالجفاف عمراً وبقائه دهراً وانعدام النسب والنفس والصهر، بعدما انقضى الشباب وحلّ المشيب وصرت كهلاً على مشارف الخمسين، ورأيتها بعين اليقين، صرت أنا لين على لين، وحضنتها بحذر وقلت: "حفظك الله يا عمي" نسيت، فأنا ما نطقت يوماً كلمة "بنيتي" وضحك الجمع من حولي، بعضهم تهلّل مرحاً وبهجة، وآخر كليهما وشجن يتلحّف الحال غبطة غصّة بدمعة.

عرفت أنّني كنت الغريب قبل أن يمنّ الكريم بطفل رضيع، دواء النجلاء والقلب الصديع، وبَدَأت بفتح عينيها تارة وتغلقهم أخرى على غير عادة الأطفال بعد الولادة بدقائق، وبقيت أناجيها وأتذكر نصائح أهلي وصحبي، وأذكر آخر معاناتي قبل ولادتها بأيام في سفري وترحيلي في باكورة شهر ولادتها من مطار دولة الاحتلال تل أبيب "بن غوريون" بعد أيام من الإذلال، حيث رُحلّت بطريقة مهينة وبرفقة أمنية من إسرائيل إلى تركيا ومن تركيا إلى مطار "دوسلدورف" حيث تسلّمتني الشرطة الفدرالية الألمانية وكأنّني مجرم حرب، مرفق بأوراق الترحيل والمنع القطعي من دخول الحدود الإسرائيلية مدى العمر، هذا رغم أنّني أحمل الجنسية الألمانية، وبغير الاعتذار من رجال الشرطة وحقيبتي عدت منهكاً وما تبقى من الإذلال بدا عليّ إحباطا.

لم تكن هذه المرة الأولى التي عانيتها من تعامل دولة الاحتلال القذر، فقد رُحلّت العام الماضي من جسر " اللمبي" ويسمى أيضاً جسر الملك حسين، بذات الطريقة، وسُلّمت لمكتب المخابرات الأردنية على الجسر، وللإنصاف كانوا غاية في الأخلاق وتركوني بعد مواساتهم لي بكلمات طيبة.

وأنا أحملها بين ذراعي، وكلي خوف على طفلي الملائكي الرقيق، استحضرت كل هذا وذاك وحزمة من سيناريوهات الوعظ والتوجيه، بين إرشاد وإذلال من دولة الاحتلال، فأيقنت الآن أنّني سأكون أكثر صلابة ورسوخاً وتمسكاً من الماضي، فلديّ ما أقدّمه لها غير لقمة العيش، التي تراهن عليها الحكومات العربية، أقدّم قضية ستحملها هي من بعدي بكلّ أعبائها وظلم تجارها، أقدّم كلمة أظنّها الحق وإن كان ثمنها إقصاء ومهانة، فأن أحمل على عاتقي همّ جيلي وابنتي وأترابها دون مكافآت أو تلميع وإطراء أو تشجيع أحبّ إليّ من نظرة انكسار ترنوني بها وهي تقرأ كتبي وكتاباتي في الماضي، وكأنها تقول: "أتيتك ولد وسند، فخذلتني وسلّمت العهد".

لا نختلف بنيتي أنا وصحبي عن الحاكم كثيراً، فواحد من الشعب البارحة كان قوت شهره كلّه لا يتجاوز ال 500 دينار، الآن بعد أن حمل على عاتقه أوزار الوطن المنهك من أعباء وزرائه ونوابه، آلت فاتورة إفطاره وعشائه وبعض حاشيته تتجاوز ٢٣٨٥ دينار، ونحن لا نتحدث هنا عن مبهم، إنما هو وزير المياه والري، المهندس رائد أبو السعود ولكنني في الحقيقة فخور كما كلّ أفراد الوطن بالتبرير الذي قدّمته وزارة المياه والري عن تصرّف وزيرها الذي يحمل على عاتقه هم بلاده وأعبائه، فيبدو أنّ الفاتورة حسب طرح الوزارة تضمّنت غير الإفطار والعشاء ثلاثة ليالي في فندق 5 نجوم.

سؤال أخير معالي الوزير، ما هي أنواع الزيت والزعتر واللحمة والمقبلات التي وصلت إلى هذه التكلفة؟ لأن كثيراً من أثرياء البلد عجزوا عن الإجابة. فقط من باب العلم بالشيء معاليك، هذا لأنّ المواطن الذي تتبنى أنت قضاياه "بفطر" بقيمة دينار وتصل إلى ٥ دنانير هو وأسرته ال ١٣ وأمه وأم زوجته المقعدة.

كلّنا الحاكم والمحكوم، نعارض ونستنكر في الفجر، وإذا استقر لنا في الظهيرة كرسي الوزير والمدير صرّحنا بإنجازات السفير ونفينا الفساد عن الملك وأهله والرئيس قلّة الضمير، واستولينا على العرش من تحت الرحمن ومنحناه هدية لنساء سيف الدولة تقتسمه مع بعض عشيرة وأبناء فرير.

فسلام عليكِ يا لين ورفاقك وجيل ستُهذُّبُهُ طهارة وصدق وإيمان وعفّة وبرهان مبين.