5 أعوام من المعاناة والحنين لأهلها مرح باكير.. من طفلة جريحة إلى ممثلة للأسيرات بـ"الدامون"

"خمس سنوات من الوجع والحرمان والحنين، وما تزال بعيدة عنا، نفتقدها بكل لحظة، وننتظر بفارغ الصبر مرور الأعوام المتبقية من حكمها الظالم، حتى تعود إلى بيتها وتُنور حياتنا من جديد".

بهذه الكلمات عبرت والدة الأسيرة المقدسية مرح باكير من بلدة بيت حنينا شمال القدس المحتلة، عن مشاعر الشوق والحنين لابنتها وما تعانيه من مرارة الفقد والحرمان من احتضانها، بعيدًا عن الزجاج العازل وظلم السجن وقهر السجان الإسرائيلي.

ففي كل زاوية من زوايا منزلها في بيت حنينا عُلقت صورة مرح، كي تبقى حاضرة ومحفورة في قلوب عائلتها وعقولهم بكل دقيقة.

تقول والدتها سوسن المبيض لوكالة "صفا" والحزن يبدو على صوتها: "لا طعم للفرح والسعادة بدون مرح، نفتقد غيابها ونشتاق لها كثيرًا بكل الأعياد والمناسبات العائلية، ونتمنى أن تكون بيننا قريبًا، فهي فاكهة المنزل وعنصر أساسي فيه".

وتواجه باكير (21 عامًا) حكمًا بالسجن لمدة ثمانية أعوام ونصف، قضت منها خمسة، تنقلت خلالها بين عدة سجون "الرملة، عسقلان، هشارون والدامون"، حيث تقبع فيه حاليًا، ولا تزال تقاسي آلام البعد عن أهلها، والشوق والحنين لاحتضانهم في منزلها الدافئ.

بداية المعاناة

بدأت قصة معاناتها في الثاني عشر من أكتوبر/ تشرين أول 2015 عندما باغتها جندي إسرائيلي بعدة طلقات نارية عقب خروجها من مدرستها في حي الشيخ جراح وسط القدس، بزعم حيازة سكين ومحاولة تنفيذ عملية طعن.

مرح كانت يومها فتاة قاصر لم يتجاوز عمرها السادسة عشر ربيعًا، تعود والدتها بذاكرتها إلى ذلك التاريخ الأليم واللحظات العصيبة وقت تلقيها اتصالًا هاتفيًا من إحدى صديقات مرح تُخبرها بإصابتها برصاص قوات الاحتلال.

لم تصدق والدتها حينها خبر إصابتها، واعتبرته مزحة، إلا أن بكاء صديقتها وحديثها بصوت متقطع جعل الأم تقلق على ابنتها، فأخذت تبحث عنها في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حتى وجدت صورتها وهي ملقاة على الأرض والدماء تنزف من جسدها.

تقول والدتها: "حين تأكدت من خبر إصابة ابنتي، هرعت إلى مستشفى هداسا بالقدس، حيث كانت ترقد مرح، لكن سلطات الاحتلال منعتني من رؤيتها، ما زاد شعور القلق والخوف على ابنتي، ووضعها الصحي".

وبحرقة وألم، تضيف "الجندي الإسرائيلي أطلق على مرح 14 رصاصة اخترقت يدها اليسرى، فأحدثت تهشمًا في عظامها من الكوع حتى الكتف، بعدما تركت تنزف دمًا لعدة ساعات دون إسعافها، حتى أنه لم يرحم طفولتها البريئة".

وبعد يوم من اعتقالها، أجرى الأطباء للأسيرة بكير عملية جراحية لإخراج الرصاصات من يدها، وبعد 20 يومًا تم إجراء عملية أخرى لزراعة البلاتين في يدها، لكنها لا تزال بحاجة لعملية جراحية أخرى تُنهى خمس سنوات من الآلام والأوجاع.

وتعاني مرح اليوم من أوجاع شديدة في يدها اليسرى، وعدم القدرة على تحريكها والكتابة فيها، ومن نقص شديد في الحديد، ما تسبب لها بعدة مشاكل صحية كما تقول والدتها.

صمود وتحدي

ويُساور القلق والدة باكير بسبب سياسة الإهمال الطبي التي تتبعها إدارة السجون بحق الأسرى والأسيرات، والمماطلة في تقديم العلاج لها، وإجراء عملية لإزالة البلاتين من يدها، والذي يؤثر عليها بشكل كبير، ويزيد من معاناتها وآلامها خاصة مع اقتراب فصل الشتاء.

وتؤكد والدتها قائلة: "تواصلنا مع أطباء حقوق الإنسان لأجل التدخل العاجل والضغط على الاحتلال للسماح بإجراء العملية لمرح، لكن حتى الآن لا جديد".

وتسمح إدارة سجن "الدامون" لوالديها فقط بزيارتها كل شهرين بسبب فيروس "كورونا"، وكانت آخر زيارة في 19 أغسطس الماضي، بحسب والدتها، والتي أوضحت في حديثها لوكالة "صفا" أن طول مدة الزيارة يؤثر سلبًا على نفسية ابنتها.

خمس سنوات من مرارة الاعتقال وظلم السجن، لم تفت من عضد الأسيرة باكير، بل تحدت آلامها وجراحها، واستكملت مسيرتها التعليمية وتمكنت من الحصول على شهادة الثانوية العامة بمعدل 80%.

وكانت مرح تطمح لدراسة "السكرتاريا الطبية" وفق والدتها، لكن بعد اعتقالها أصبحت ترغب بدراسة "المحاماة"، كي تدافع عن المظلومين.

لكن إدارة سجون الاحتلال تمنعها من تحقيق حلمها في إكمال دراستها الجامعية، بحجة أنه لا يوجد أسيرات ذات خبرة وكفاءة علمية لمتابعتها داخل السجن، إلا أنها تحاول تعويض ذلك من خلال قراءة الكتب لتنمية ثقافتها واكتساب المهارات.

واليوم لم تعد مرح تلك الطفلة التي كانت قبل الاعتقال، فقد "نضجت وكبرت، وأصبحت تمتلك شخصية قوية قيادية واجتماعية تتمتع بعلاقات طيبة ووطيدة مع زميلاتها الأسيرات، تقوم بمساعدتهن والتخفيف من أوجاعهن، ما أهلها لأن تكون ممثلة لهن تتابع أمورهن الحياتية ومشاكلهن وتتنزع حقوقهن من السجان".

وتضيف والدتها المبيض "ابنتي دخلت عامها الاعتقالي السادس بمعنويات عالية وبعزيمة وكفاح لا يلين، وكلها أمل بالحرية والعودة إلى بيتها في القريب العاجل".معا