بـ"ثلث الراتب".. أطباء عرب يحاربون كورونا على "جبهة فرنسا"

يلعب الأطباء العرب الأجانب الحاصلون على شهادات خارج الاتحاد الأوروبي، دورا كبيرا في مواجهة وباء كورونا داخل المستشفيات الفرنسية، إلا أنه رغم مجهوداتهم الجبارة ومناوباتهم الطويلة لا يتمتعون بنفس حقوق الأطباء الفرنسيين.


ويعتبر اللقاء الذي جمع في مدينة مرسيليا بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والبروفسور الفرنسي ديدييه راوول الذي دعا لاستخدام دواء "الكلوروكين" ضد فيروس كورونا في انتظار التوصل إلى لقاح، مشهدا تاريخيا يشهد على الحضور الكبير للكفاءات الطبية العربية في المستشفيات والمختبرات الفرنسية، إذ تبين أن معظم الأطباء والباحثين المرافقين للبروفسور في رحلة البحث عن دواء، هم من البلدان المغاربية ولبنان وبلدان الساحل الأفريقي.

وقيس الرقيق، طبيب الإنعاش التونسي، هو أحد هؤلاء الأطباء الذين يقفون في الصفوف الأولى في مواجهة كوفيد-19. درس في كلية الطب في تونس، وأجرى تدريب التخصص في فرنسا سنة 2016. تميّزه دفع مديره إلى حثه على البقاء في فرنسا وممارسة تخصصه داخل المستشفى حيث أجرى التدريب.

ويقول الرقيق لموقع "سكاي نيوز عربية": "فرنسا تعاني نقصا كبيرا في الأطباء، والعرض أكبر بكثير من الطلب، خصوصا في المدن الصغيرة والقرى والمناطق الهامشية، والأطباء الأجانب يغطون هذا النقص الذي لا يتمثل في العدد فقط، بل حتى في تخصصات تتطلب جهدا أكبر ومناوبات ليلية وسهر وتعب، فالطبيب الفرنسي يختار أسهل التخصصات وأقرب المستشفيات إلى المركز".
 

لكن ما يعتبره قيس "نفاقا"، هو حصول الطبيب الأجنبي الذي يقوم بكامل عمله، من علاج للمرضى ومناوبات ليلية "على ثلث راتب الطبيب الفرنسي، فقط لأنه لم يتم بعد معادلة شهادته"، على حد قوله.

ويضيف: "نعامل مهنيا كالأطباء الفرنسيين، علينا نفس الأعباء ونقوم بنفس الواجبات، ويشهد مدراؤنا ومرضانا بكفاءتنا العالية وتفانينا، لكن راتبنا الشهري لا يتعدى 2000 يورو، نعمل بعقود عمل تتجدد كل ستة أشهر، وبالتالي علينا تجديد بطاقة الإقامة كذلك كل ستة أشهر".

"المضحك في الأمر، أنك طبيب لا يسمح لك بتوقيع شهادة وفاة ولا تصريح خروج مريض لأنك لست عضوا في عمادة الأطباء".

معادلة الشهادات

يشرح قيس أن المباراة الكتابية التي يتم تنظيمها من أجل المعادلة، يشارك فيها أكثر من 4000 طبيب ليتم اختيار 600 طبيب.

ويضيف: "هذه المباراة الانتقائية أعتبرها ضربة حظ، من لم يتخط الاختبار سيعود إلى الوضع الذي كان عليه، أما الذي نجح فعليه العمل ثلاث سنوات أخرى بنفس الظروف السالفة الذكر كطبيب، ثم يمر ملفه بعد ذلك أمام لجنة قد تطالبه بإجراء تكوينات إضافية خصوصا في التخصصات الحرجة والصعبة، لتحصل بعدها شهادته على الاعتماد الأوروبي ويصبح حينها يتمتع بنفس حقوق الطبيب الفرنسي".

 
في المقابل، يشير الطبيب التونسي: "اعترفت فرنسا بالدور الكبير الذي قامت به هذه الفئة من الأطباء أثناء مواجهة انتشار وباء كورونا وقررت أن تمنح من ثبت وقوفه في الصفوف الأولى فرصة لمعادلة شهادته بطريقة أسهل، إذ فتحت الباب بداية شهر نونبر الجاري لتقديم ملفات الاعتماد، التي ستدرس من طرف لجان محلية ووطنية، ثم يمر بعدها الطبيب أمام لجنة تحكم بمعادلة الشهادة أو الحاجة إلى تكوين أو تدريب دون الخضوع لمباراة تأهيل، لكن يبقى تاريخ عقد اللقاء مع اللجنة بعيدا، لأن آخر أجل لتقديم الملفات فقط، سيكون الصيف المقبل".

النقابات تستنكر حال الأطباء العرب

وفي هذا الشق، يقول رئيس النقابة الوطنية للأطباء الممارسين بشهادة خارج الاتحاد الأوروبي في فرنسا، سالم ولد الزين، في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية": "قانون مرور الأطباء أمام لجنة بدل مباراة انتقائية تم التصويت عليه في يوليو عام 2019، لكن الوباء والحجر الصحي عطل من تفعيل القانون وعقد اجتماعات اللجان، وبالتالي ما يزال الآلاف يمارسون دون معادلة ودون حقوقهم الكاملة".

ويتابع الناشط النقابي أن الأطباء الجزائريين يتصدرون لائحة الأطباء الأجانب المزاولين في هذه الوضعية، يليهم المغاربة ثم التونسيون والأفارقة الناطقون بالفرنسية وبعدهم السوريون واللبنانيون. كما أن تواجدهم يتركز في المستشفيات الجامعية بباريس.

ويؤكد، من جانب آخر، أن القوانين الفرنسية في هذا الشأن هي الأكثر تعقيدا بالمقارنة مع باقي الدول الأوروبية التي تسهل حصول الأطباء الأجانب على المعادلة ومزاولة المهنة بأريحية، "نحن داخل النقابة نطالب بتسريع المساطر الإدارية وتحديد مواعيد للمباريات بشكل غير مماطل فيه ويمنع استغلال الكفاءات الطبية الأجنبية التي تدخل في دوامة انتظار وترقب لسنوات طوال".

ويعترف قيس، طبيب الإنعاش، أن المسألة تتعلق بالوقت والصبر، لكن يقول متأسفا، "لا يمكن أن يقبل عقل أن يمضي طبيب عشر سنوات في الدراسة ويقاتل عشر سنوات أخرى من أجل الاعتماد والمعادلة، هذه خسارة مادية كبيرة وعمر يمر. تعبنا من التمييز، وحان الوقت لتغير فرنسا من مساطرها الطويلة".