أمر الدفاع رقم (23).. القرار الذي وضع الدوّار الرابع في خندق الشعب

محرّر الشؤون المحليّة - منذ بداية جائحة كورونا، بدأ بعض جلاوزة رأس المال بمحاولة استثمار الأزمة، وتحويلها إلى مستنقع استغلال جديد، لتحقيق الربح السريع على حساب الغلابى. هناك من حاول خلق سوق سوداء خلال أيّام الحظر الشامل، وآخرون في بعض المدارس الخاصّة عمدوا إلى استغلال المعلّمين، وتخفيض رواتبهم دون وجه حقّ، رغم استيفاء كامل الرسوم الدراسيّة من الأهالي، ناهيك باستغلال الكوادر الطبيّة والتمريضيّة في بعض المستشفيات الخاصّة.

ومنذ إعلان تفعيل قانون الطوارئ، نادت الأردن24 بشعار: "فليدفع الأغنياء فاتورة الكورونا"، لإنهاء محاولات الاستغلال، وتحميل "الحيتان" فاتورة الضريبة الوطنيّة، التي آن أوان تسديدها منذ أشهر خلت..

كما نشرت الأردن24 مرارا وتكرارا بالحقائق والأرقام، مقالات تسلّط الضوء على الضرورة القصوى لتطوير المنظومة الصحيّة، وزيادة القدرة الاستيعابيّة لمواجهة الوباء، دون ضمان هامش ربح لأيّة جهة كانت.. فحياة المواطن يفترض أن لا تقبل المساومة، ولا تهدّدها الاعتبارات الرأسماليّة.

الحكومة السابقة لم تجرؤ على اتّخاذ قرار شجاع فيما يتعلّق بهذه المسألة، ما أسهم –إلى جانب عوامل أخرى- في تنصّل كبرى الشركات من مسؤوليّاتها تجاه دعم خزينة الدولة، ونأي عدد من جلاوزة القطاع الخاص بأنفسهم ومصالحهم بعيدا عن الصالح العام، حتّى وصل الأمر ببعض المستشفيات الخاصّة إلى رفع قيم فواتير العلاج إلى مستويات لا يمكن للمواطن تحمّلها.

اليوم، وبعد طول انتظار، تجرّعت السلطة التنفيذيّة حليب السباع، وأصدرت أمر الدفاع رقم (23)، الذي يمكن اعتباره أكثر أوامر الدفاع صوابا وإنصافا منذ بدء الأزمة.. القرار جاء في الوقت المناسب، ليزيل المخاوف المتعلّقة باحتمال تفسّخ المنظومة الصحيّة في ظلّ التفشّي المجتمعي للوباء، وتزايد أعداد الإصابات.

عندما تعلن السلطة التنفيذيّة في أيّة دولة على هذا الكوكب تفعيل قانون دفاع، للتعامل مع أزمة أو كارثة بيئيّة أو وبائيّة، فهذا يعني عدم إتاحة أيّ هامش للمصالح الفرديّة، أو المطامع الأنانيّة.. عندما تكون الدولة على وشك الغرق، فعلى الجميع -وبلا استثناء- الإسهام بدوره الوطني لوصول كافّة شرائح وطبقات المجتمع إلى برّ الأمان.

الحياة حقّ للجميع، ولا ينبغي أن تكون حكرا على الأغنياء بأيّ حال من الأحوال.. الفيروس بات يتفشّى في كلّ مدينة بهذا الوطن، بل ولن تكون مبالغة اعتباره متواجدا في كلّ حيّ، من أقصى شمال البلاد إلى أقصى جنوبها، وهذا واقع لا يمكن لأيّة دولة مواجهته بمنظومة صحيّة يحتلّ فيها القطاع الخاصّ حصّة الأسد.

القطاع الصحّي العام في الأردن، لا يمكن له في يوم وليلة أن يكون قادرا على استيعاب التزايد المستمرّ في أعداد الإصابات بالكورونا.. والانتشار الذي بدأت موجته منذ شهر آب الماضي، بلغت وتيرته من التسارع ما يعجز حتّى أكثر الدول تقدّما.. وفي ذات الوقت، لم يعد الحديث عن الإغلاقات والحظر مجديا بأي حال من الأحوال، خاصّة بعدما انهكت كافّة القطاعات الاقتصاديّة نتيجة لمثل هذه الإجراءات.. هنا تكمن ضرورة وأهميّة أمر الدفاع رقم (23)، الذي يتيح لوزير الصحّة وضع يد الدولة على أيّ مستشفى، وتحديد تسعيرة لفاتورة علاج الكورونا.

بغير هذا القرار، سنكون في مواجهة تداعيات كارثيّة، في حال زادت نسبة إشغال الأسرّة المخصّصة لعلاج الكورونا في المستشفيات الحكوميّة.. ومن غير المعقول أن ننتظر حتّى يموت الناس في الشوارع جرّاء نقص الأسرّة، وارتفاع كلفة العلاج في المستشفيات الخاصّة.. أمر الدفاع رقم (23) هو باختصار القرار الأكثر حكمة وشجاعة بين مختلف القرارات الصادرة عن الدوّار الرابع منذ عقود!