وفي كل هذا الخراب العميم.. فلتبحث عن ملف إدارة الطاقة السقيم



ولأن الطاقة إنتاجا وتوزيعا واستهلاكا للمجتمع هي بمثابة الدم للجسد الإنساني وحيث لا حياة ولا صحة ولا عافية ولا سعادة دون دم ينتجه الجسد الإنساني ويبثه في كل شرايينه لتستهلكه كل خلايا الجسد لتستديم عافيتها، ولتعيد إنتاج نفسها، فقد كانت رحلة الإنسان عبر ملايين السنين من حياته بمثابة مسيرة ومسار للبحث عن الطاقة وتطوير طرائق إنتاجها وتوزيعها واستهلاكها. وفي التدليل على أهمية الطاقة، سيكون من المفيد التذكير بتلك الأهمية البالغة التي أكد عليها الآثار والتاريخ والانثروبولوجيا لاكتشاف الناس للنار التي مثلت نقطة تحول في التاريخ الإنساني. لعل من المفيد التأمل في معاني تحول الإنسان من ثقافة الطعام واستهلاك اللحم النيئ إلى ثقافة الطبخ والمطبوخ. وربما من المفيد أيضا التأمل في معنى أن تكون النار موضوعا للتأليه والعبادة والتقديس لكثير من المجتمعات الإنسانية في الماضي كما الحاضر.

وفي أهمية ملف الطاقة في المجتمعات الإنسانية، ربما من المفيد التذكير أيضا في تلك النظرية في تحقيب التاريخ الإنساني وتصوره على شكل مراحل وحقب، وحيث نسق إنتاج الطاقة، ونسق توزيعها، ونسق استهلاكها هو ما يميز مرحلة عن أخرى، وهو ما يميز مجتمع عن مجتمع آخر. وفي حين يقسم ماركس التاريخ الإنساني وفق لمستوى تطور قوى الإنتاج وعلاقاته، فان هناك من الانثروبولوجيين من يقسم التاريخ الإنساني وفقا لكم الطاقة ونوعها التي ينتجها مجتمع ما مقارنة بالمجتمعات الأخرى، كما لنسق إنتاج الطاقة ودور المكننة في إنتاجها، ومدى استفادة الفرد والجماعة من تلك العافية والصحة والرفاهية التي توفرها الطاقة للإنسان والمجتمع.

في التجربة الإنسانية التي عاشتها البشرية، كانت كمية الطاقة المنتجة هي التي تحدد مستوى الصحة والعافية للفرد، وهي التي كانت تحدد كم البضاعة المنتجة ونوعها ونطاق استهلاكها، وهي التي كانت تحدد حجم السوق ومدى انتقال البضاعة وسرعة تدفقها عبر الأسواق والمتاجر، وهي التي كانت تحدد مستوى العمران والبنيان. وكانت كمية الطاقة هي التي تحدد مستوى حركة الإنسان وتنقله ليتفاعل مع الجماعات الأخرى فينقل منها الخبرات والمعارف ومنظومات القيم.

وفي موضوع الطاقة وملفه في الأردن، لم يكن هذا الاستهلال النظري والتاريخ مجرد مقدمة لغوية استعراضية تمهد لمقالة، بقدر ما كان ضرورة نظرية وعملية لفهم الدور الذي لعبه قطاع الطاقة إنتاجا وتوزيعا واستهلاكا في الأردن في كل إنجاز تم تحقيقه، وفي كل قفزة تنموية تم تحقيقها، كما كان ملفا مفتاحيا في فهم كثير من جوانب الخراب في الاقتصاد، كما في الاجتماع، كما في الصحة، كما في السياسة التي تعاني منها البلاد منذ ما يزيد على الخمسة عشر عاما. أجزم أنه وراء كثير من الخراب والمعاناة والبطالة والفقر والحرمان والموت العميم هو ملف الطاقة والكيفية التي يدار بها هذا الملف.

منذ سنين طويلة لم نعد نحتفل بافتتاح مدارس جديدة، ولم نعد نشيد مصانع جديدة، ومن النادر أن تسمع عن افتتاح مستشفى جديد، أو حديقة عامة جديدة، أو حتى شق طرق جديدة، أو اعادة تعبيد طرق قديمة. ثمة طرق رئيسة في البلاد كطريق عمان-إربد تم شقها منذ أكثر من ثلاثين عاما، ولم تخضع للتوسعة منذ شقها، ولم تخضع للصيانة إلا لماما وباتت أشبه بطرق القرون الوسطى التي تصلح للخيول وعرباتها وليس للمركبات الحديثة. ومقابل كل هذا الموت على صعيد خلق المشاريع في البنية التحتية وغيرها، يلفتك هذا التوسع الهائل بل والولادة المتجددة والمتدفقة لمحطات بيع الوقود التي أجزم أن عددها ربما بات يتفوق على عدد نظيراتها في بلد صناعي متفوق كفرنسا.

فمن يسلك طرق البلاد تلفته هذه الولادات المتواصلة والسريعة لمحطات الوقود، كما تلفته تلك الأموال التي تنفق بسخاء على بناء المزيد من هذه المحطات، في زمن يتحول العالم فيه سريعا نحو الطاقة المتجددة. وأجزم انه لا يكاد يمر شهر على بعض الطرق القصيرة دون ولادة محطة جديدة و"جميلة" للوقود، بل باتت المسافة التي تفصل بين محطة وأخرى هي أقل من المسافة التي تفصل بين صيدلية وأخرى داخل المدن الأردنية.

ولان كثيرا من حقائق الحياة هي ذات محصلة صفرية، ولان الحكمة تقول بأنه "ما اغتنى غني إلا بفقر فقير، كما قال علي بن أبي طالب قبل أربعة عشر قرن، فانه وفي مقابل هذه الصحة والعافية والألوان الجميلة لمحطات الوقود على الطرق ولمن يديرون ويعملون في قطاع الطاقة، فان من المهم النظر إلى كل تلك الخسائر والفقر بل والمآسي وتلك المعاناة والخراب الذي بات قطاع الطاقة وطريقة إدارته تحدثه في هذه البلاد العزيزة.

ثمة غنى شديد وثراء فاحش يحدثه قطاع الطاقة في جيب البعض وحيث مليارات كثيرة تتأتى ويتم تحصيلها نتيجة بيع صفيحة البنزين مثلا بسعر يصل حد الضعفين من السعر الذي يدفعه الأمريكي لنفس تلك الصفيحة وحيث دخل الفرد الأمريكي تجاوز الأربعين إلف دولار سنويا في حين لا يزيد متوسط دخل الفرد الأردني عن الخمسة آلاف دولار. وفي مقابل هذا الغنى الفاحش وتلك الثروة الفاحشة التي تتأتى من أسعار المشتقات النفطية هناك فقر ومعاناة ومرض وجوع وتخلف وعجز بنيوي يصيب الاقتصاد والمجتمع والأمن والسياسة نتيجة الكيفية التي يدار بها هذا القطاع. ولا أبالغ إذا قلت أنه لم يعد بالإمكان للاقتصاد أن ينهض ويولد فرص العمل ويمول الخزينة إذا لم يتم إدارة هذا القطاع بصورة أكثر عقلانية وأكثر شفافية وأكثر نزاهة. كما لم يعد بالإمكان الحديث عن تحسين نوعية الحياة، ونوعية الصحة العامة، ونوعية الصحية النفسية البدنية للأردنيين إذا لم يتم تحسين طريقة عمل هذا القطاع وطريقة إدارته.

في الحديث عن تلك التأثيرات القبيحة والبشعة التي ولدتها كيفية إدارة قطاع الطاقة في البلاد، يكفي النظر إلى تلك السياسات التي رفضت تبني سياسات تشجيع النقل العام والعمومي بدلا من نموذج السيارة الخاصة، فتم رفض أي مبادرات لبناء سكك للحديد، مقابل تشجيع ثقافة السيارة المدمرة للاقتصاد والصحة والبيئة كما لميزانية الأسرة الأردنية. أشعر بالحزن العميق لمنظر مئات آلاف السيارات وسائقيها العالقين في زحمة الطريق بين عمان والزرقاء وحيث الثقل السكاني الأكبر في حين كان يتم إخراس كل صوت يطالب ببناء خط للسكك الحديدية بين عمان والزرقاء لن يتعدى طوله الثلاثين كيلومترا وأجزم أن هناك آلاف من المستثمرين الذي يتلهفون لرؤية قرار من الدولة يرفع المنع والحجب عن الاستثمار في مشروع كهذا.

وفي الحديث عن الطاقة وملف إدارتها في البلاد، باتت المدينة الأردنية تدفع من صحتها ومن عافيتها وجماليتها جراء تلك الإدارة التي تمنع الاستثمار في النقل العام تشجيعا لثقافة السيارة. ففي مدينة عمان التي اختارها الرومان وقبلهم كثير من الحضارات مستقرا لهم ليمارسوا فيها إبداعهم في الاقتصاد كما في العمارة والفنون، باتت الحركة والتنقل هي كابوس حقيقي يستنزف المال والأعصاب وبات الأردني يدفع ثمنا باهظا لوقود سيارته التي تتوقف ساعات طويلة وهي لا تتحرك ولكن محركاتها تعمل، وباتت المصحات تزدحم بالمرضى الذين تستنزف صحتهم البدنية والنفسية ذلك الجلوس المرهق في الطوابير الطويلة للسيارات.

وكما يدفع الناس ثمن سياسات إدارة قطاع الطاقة من جيوبهم وصحتهم، تدفع عمان أيضا من عناصرها الجمالية الكثير الكثير. فالمدينة التي ما زالت تعيش عصر التابوهات والتحريم لاستخدام القطار أو المترو أو الترام او الباص بمعناه الحديث، كان عليها أن تشهد الكثير من المجازر الحضرية والمعمارية جراء شق الطرق والأنفاق وبناء الجسور القبيحة التي باتت تعلو البيوت والعمارات، وهي تشهد في الآن ذاته استنزاف جزء كبير من مواردها المالية على هذه الجسور والأنفاق بدلا من إنفاقها على الحدائق والمكتبات والمراكز الثقافية وحدائق الورود.