%30 يتخلفون عن أخذ اللقاح!! وتواضع أعداد المسجلين على المنصة!! لماذا؟ ما العمل؟



بداية لا بد من الخروج من الحالة الاستقطابية؛ "اللقاحات جيدة دائماً.. أو سيئة بالمطلق"!!

 المرحلة التي نعيشها حاليا، هي طارئة واستثنائية جداً، وولدت كثيرا من المشاعر المتناقضة والحادة، وقد أشاع الإعلان عن خبر البدء في تصنيع لقاح، الكثير من أجواء الأمل بتجاوز الازمة الوبائية بصورة أسرع وأقل خسارة. ونحن في سباق بين العدوى وتلقي اللقاح، وللأسف ما تزال العدوى متفوقة، ويتم تسجيل أكثر من 5 ملايين حالة كوفيد 19، أسبوعيا في العالم.

ورغم ذلك فقد أثار اللقاح درجة عالية من الجدل والتشكك لم يثرها أي عقار من قبل، وفي مختلف بلدان العالم، وذلك لأسباب باتت معروفة:

1- حجم الضخ الإعلامي، والإعلامي المضاد، غير المسبوق، وما أثاره من مخاوف وشكوك.
2- الآليات والمراحل المختصرة التي مر عليها تصنيع اللقاح وعدم إتباعه الشروط والمعايير المخبرية والزمانية المعتادة. (مبرر التقدم التكنلوجي الكبير الذي سمح بطرح لقاح خلال فترة 9 أشهر، أقنع الكثيرين، ولكن ليس الجميع).
2- إستعمال تقنيات جديدة في صناعة اللقاحات، سمحت بإنتاج لقاحات تعمل بآلية مختلفة عما إعتدنا عليه من قبل مثل:
** لقاح الحمض الريبوزي المرسال mRNA والذي يستخدم الشيفرة الوراثية للفايروس!!
** لقاح الفيروس الحامل Adeonvirus vector والذي يحمل مادة وراثية لكوفيد-19!!

ومن الطبيعي أن لا نمتلك حتى الآن الفترة الزمنية الكافية لمعرفة تأثير ذلك على المدى المتوسط والبعيد، وعلى مختلف الشرائح العمرية والفئات المختلفة التي ستخضع إلى هذا الشكل من المطعوم. مع معرفتنا الأكيدة بأن أشخاصا يعانون من أوضاع صحية متردية من بينها الكهولة المتقدمة، وضعف المناعة، أو امراض مزمنة قد تلقوا اللقاح، من دون ان يواجهوا مشاكل ملموسة، كما أن هناك حاليا حوالي 200 لقاح على المستوى العالمي تخضع للتجارب.

دون أن ننسى أنه إلى جانب هاذين الشكلين، يتوفر الآن في الإستعمال وعلى نطاق واسع أشكال من اللقاحات التقليدية المجربة وغير العدائية والتي تستعمل الفيروس المثبط Inactivated virus.

علما بأنه قد بدأ توزيع مختلف اللقاحات في حوالي 50 دولة حتى الآن، خمسة منها تمكنت من إعطاء الجرعة الأولى لأكثر من 5% لسكانها.

 كأطباء وبما يتوافق مع أخلاقياتنا المهنية، وما يتوفر من معطيات موثقة حول اللقاح، علينا -من حيث المبدأ- أن نشجع الفئات "المستهدفة" على تلقي اللقاح بالسرعة الممكنة، كما أنه ليس من المهنية بشيء أن نقدم تطمينات وضمانات مؤكدة متوسطة وطويلة المدى خاصة للفئات الشابة، دون إمتلاك سند علمي وزمني كاف.

ولكن كيف يمكننا المساعدة في معالجة التردد الشعبي في تلقي اللقاح؟ 
كاتب صحفي وإعلامي معروف، يدعو الحكومة إلى:
 * إصدار تحذير قانوني لكل من يتخلف، بفقدان حقه في الحصول على المطعوم.
 * المبادرة إلى فتح أبواب مراكز التطعيم أمام جميع المواطنين بتجاوز ترتيب الدور.
 * حشد جيش من الشباب المتطوعين لطرق أبواب المنازل لحث الناس على أخذ المطعوم!!

 ولكن؛ ما يجب أن نتكلم عنه الآن هو استراتيجية التعامل مع اللقاح، وليس ردود أفعال وتعسف وحلول إرتجالية.
إن كان هناك شكوك، يجب الرد عليها بكل شفافية وبإسلوب علمي وليس بالإنكار وبالطمأنة المتعجلة. ( ويجب أن نحصر مسؤولية التعامل مع هذا الموضوع في إطار أصحاب العلم والإطباء وليس السياسيين والصحافيين) فأكثر ما يثير مخاوف الناس هو تهديدهم بإجبارية التطعيم، أو بمعاقبتهم بالحرمان منه. كما علينا مراعاة الحالة النفسية التي ولدها الوباء، والإجراءات التي أحاطت به، والعلاجات التي جربت علية. 
 
هل نسينا بأن الجميع كان قلقاً من سرعة واتساع انتشار الوباء، ويطالب "بتدبير" لقاح بالسرعة القصوى، ومع توفراللقاح تحولت الأسئلة حول فعالية اللقاح، ودرجة سلامته، وهذا طبيعي. ولكن يجب أن يتفهم الجميع، بأنه من الصعوبة الآن الاجابة على هذه الأسئلة بشكل "علمي" وحاسم، وإن كنا على مدى أسابيع أو أشهر، أصبحنا نعرف بأنه لا يوجد مخاطر محسوسة، وهذا مهم. 

كما أنه، وأمام طبيعة وسلوك هذا الوباء، فإن اللقاح يعتبر الفرصة الأهم للخروج من حالات العزل والإغلاق، وتسريع تعافي المجتمع والإقتصاد.. وأن اللقاح مثل كل العقاقير المستعملة، تقوم على معادلة (الفائدة–المخاطرة)و( الحاجة-الفعالية)، والطبيب وحده هو الموجود في المكان المناسب لتحديد لمن يُعطى اللقاح، ومتى، وأي لقاح؟

أمام كل ذلك علينا وضع إستراتيجية واضحة للتطعيم، مع الإستمرار في تعديل البرامج حسب المعطيات والنتائج، مع ضرورة توفير الإمداد بصورة منتظمة، وهذه نقطة بالغة الأهمية!!
 وفي المجال العملي، علينا الإجابة على سؤالين:

أولا: هل اللقاح آمن؟

1- لقد شاهدنا وسنشاهد إحتمال ظهور علامات معينة فور تلقي اللقاح، مثل طفح جلدي، ترفع حروري، صداع، إقياء، آلام عضلات، أو إرهاق، تختفي خلال فترة قصيرة، وقد لا تكون هذه المشكلات الصغيرة عائدة بشكل مباشر إلى اللقاح، فمثل هذه الاعراض قد تظهر عند البعض حتى لو تم حقنهم بماء مقطر.

 وخز الابرة بحد ذاته هو اجراء عدائي ضد جسد الانسان، قد ينتج عنها ردود فعل سريرية، لذلك لا يجب علينا أن نتفاجأ من ظهور بعض الاعراض بعد التطعيم.

2- بالخبرة التي تراكمت مع لقاحات أخرى، هناك إحتمال حصول "مصادفة" بين تلقي اللقاح، وظهور أعراض أكثر أهمية بعد فترة قد تمتد من أشهر لسنوات، ولا يمكننا رد كل هذه الاعراض والمشكلات إلى المطعوم نفسه.. وهكذا سنصادف قريبا بعض الاشخاص يؤكدون بانهم كانوا بوضع جيد قبل تلقي اللقاح، وأنهم بعد تلقيه باسابيع أو أشهر قد ظهر عليهم هذا العرض او ذاك المرض!! 
ما سيحسم الامر هنا، هي المراقبة والدراسات العلمية الموثقة؛ مما يستوجب الإرتقاء بالوعي السريري والصيدلاني للمراقبة، والمتابعة اليقظة لهذه الاعراض ومعرفة علاقتها مع اللقاح، {{ومن مسؤولياتنا المساهمة وطنيا في هذا الجهد العالمي}}.. ومن الجيد بأن هنالك دولا قد ابتدأت بالتطعيم قبلنا، وتعتبر بريطانيا رائدة في هذا المجال، ويجب أن نؤخذ خبراتها بعين الاعتبار.
ثانياً : هل اللقاح فعال؟
من الواضح بأن هناك فروقات بنسبة فعالية مختلف اللقاحات ظهرت في النتائج "التجريبية"، حيث أن هناك نسب تراوحت بين 5% إلى 30% قد أصيبوا بالمرض رغم تلقيهم اللقاح، أما في الحياة "المعاشة"، {فنحن حتى الآن لا نعرف قيمة هذه النسبة بالتحديد}، 
هذا لا يعني بأن اللقاح ليس فاعلاً، وإنما علينا أن ندرك بأن اللقاح بحد ذاته ليس (عصاً سحرية) وأن ( بدء التطعيم لا يعني نهاية الوباء)، 
وقد بتنا نعرف حاليا بأن المناعة الطبيعية المتأتية من المرض نفسه، قد تنتهي بعد ثلاثة أشهر أو أكثر، {ولا نعرف حتى الآن فترة المناعة التي يوفرها اللقاح}، وبالتالي قد يلزمنا {إعادة حقن اللقاح بمرات وبفترات لا تزال غير معروفة}.
ومهما كانت فترة فعاليته، علينا أن نقر بأن اللقاح أداة حيوية وضرورية في الصراع ضد الوباء، ويعول عليه كثيرا بأن يلعب دورا في تخفيض عدد المصابين بشكل عام، وتخفيف أعراض المرض إن وقع، وخاصة عند أؤلئك الذين يحملون عوامل مخاطرة معروفة.

هذا الوباء يتطلب منا خوض حرب شاملة، موقع بعد موقع، ومعركة بعد معركة، وليس هناك ضربة قاضية.. ونحن كأطباء علينا أن نستمر بالعمل كما اعتدنا وكما هو واجبنا؛ الاهتمام بالمريض وأخذه للعناية والعلاج بكل اهتمام حتى لا يصل إلى مراحل الإختلاطات الخطيرة والحالة الحرجة. 

 هناك أسئلة لم يتم حلها بشكل نهائي بعد: 

* كم سيبقى اللقاح في أجساد الفئات الشابة الذين سيعيشون لفترات أطول؟

* إعطاء اللقاح لأشخاص يمتلكون مضادات اجسام، وعلاقة ذلك بظهور تنويعات متحورة، وطفرات تقاوم اللقاح، أو هل الطفرات الجينية للفيروس تبقى حساسة للقاح المتوفر؟ 
ونحن نعرف بالتجربة العملية بإن مطاعيم الانفلونزا يعاد تركيبها في كل عام، وتكون فعالة أحياناً، وأحيان أخرى أقل فعالية.

السؤال الأخير : هل علينا أن نتلقى اللقاح؟ والجواب نعم، ولكن علينا تحديد استراتيجية وبرنامج وخريطة طريق، تحدد الفئات المستهدفة والأولويات، مع ضرورة التعامل مع الموضوع بالمكاشفة والمصارحة الواعية بالحقائق، من أجل تعزيز الثقة بالجهاز الطبي، والارتقاء بالوعي الصحي، فنحن جميعاً على المستوى الكوني ما نزال نخضع للتجربة، ويجب أن نمارس واجبنا العلمي والإنساني كاملا.. كما علينا أن نؤجل تطعيم فئات الشباب والأصحاء ببعض أنواع اللقاحات، حتى نتبين تأثيراتها على المدى القصير والمتوسط، وفي الاثناء علينا الاستمرار بالتقيد باجراءات الوقاية والسلامة، وإستمرار الإهتمام بتطوير علاج المرض.