المعارضة الأردنية بين الخفوت والخجل


حريُّ بنا بعد مٸة عامٍ مرت علی التأسيس أن نکون أکثر واقعية من ذي قبل، لأن التاريخ بعد خمسين عاماً يصبح مرآة أکثر نضجاً ووضوحا، وربما بکل أبعاده ومکوناته الأيدولوجية وإنسانه وحدوده الجغرافية وتضاريسه السياسية التي ترکت رواسبها علی المشهد العام.

المجاملة وحدها لم تعد تدواي العلل، والوهم أساس هش لا يمکن الرکون إليه ولا حتی بناء جميع النظريات عليه، وحين نتحدث عن حتمية الانتماء، وترف الولاء وحدها معاملةُ لا تکفي، فنحن نعيش معادلات سياسية منها الداخلي الجمعي ومنها الخارجي ومنها الداخلي الرٸيس وکذلك الداخلي المرٶوس، وهما لا شك قدرُ سياسي لا بد له من عوامل وقنوات اتصال ورساٸل واضحة أو رمزية أو مبطنة يتبادلها کلاهما لتعديل المسار إذا انحرف وربما رساٸل رضا مقبول يفي بالغرض أو يحمل درجة الامتياز، وهذا کله يدفع باتجاه المعالجات النظرية أو الواقعية أو أن يحتل مرتبةً علی سلم الأولويات.

الانتماء حتمية للاستمرار، والولاء ترف لاستمرار هذه الحتمية لضبط الإيقاع السياسي بتوازنٍ يتأرجح ما بين الممکن والمستحيل والضروري والنافلة والمتعذر، ومن ضروب إضاعة الوقت التغني علی وتر الوطنية الوحيد ضمن نوتة الموالاة، إذ أن هذا الکون جبله اللهﷻ علی مسارين هما الخير بکل أدواته والشر بکل عوامله، فالشجرة علی سبيل المثال لها مکونُ جذري يوازي قمتها النامية فوق جذعها، فالمعارضة بمعناها في معجم العرف السياسي هي أيضاً مکون هام إن لم يکن أهم في أي کيانٍ سياسي لتحقيق مخرجات التوازن، وهي فيما يعرف بالرأي والرأي الأٓخر أو التيار الذي لا يجوز إخراجه من ملة الوطنية بمجرد أنه يری مصلحة وطنه من منظورٍ أٓخر.

ولا بد لنا هنا ونحن نسلط الضوء علی جدلية المعارضة في بٶرةٍ سياسية مرت ولا زالت تمر بظروف استثناٸية ساخنة لا يمر بها بلدُ أّخر مثل الأردن، فقبل الغوص في هذا الأمر الذي يعتبره البعض يحمل درجة الحساسية القصوی بمجرد طرحه، فهل يوجد لدينا معارضة حقيقية؟ متی بدأت وهل انتهت؟ وهل حققت أهدافها؟ وهل شکلت حالةً سياسية تستوجب الدراسة والبحث لتصبح نظرية يبنی عليها أو أنها حتی لا تستحق عناء البحث حتی لتواضعها وتواضع منتجاتها؟

لقد بدأت نواة المعارضة الوطنية إن صح التعبيرعام 1928، وانبعثت جذوتها من تحت الرماد في مٶتمر عمان في مقهی حمدان علی غرار المعاهدة البريطانية التي جعلت جميع التشريعات الناظمة بيد السلطة التنفيذية نفسها وبالذات ترکيز کل هذه السلطة بيد الملك، ناهيك عما تضمنته هذه المعاهدة من حرمان السلطة التشريعية من سن القوانين إذ جردتها من هذه الصلاحية أيضاً، کما أن هذه المعاهدة نصت علی أن الملك يمتلك صلاحيات إلغاء أي قرار قضاٸي أيضاً.

تم تعديل القرار ولکن بصيغة أيضاً تخدم تلك السلطات ولکن بتخفيف بعض البنود لکنه تعديل ظاهري فقط، لکن جوهره لم يطرأعليه تعديلُ يشکل نصر سياسي أو موقف يسجل للمعارضة الوطنية وليس ضعفاً منهم بقدر تحکم المستعمر بالقرار.

والدليل علی أن المعارضة لم تحقق أقل أهدافها إلا أنها شکلت ظاهرة سياسية لم ترق لمستوی الحالة بدليل أن استقلال البلاد مرّ بمراحل وانعطافات معقدة من قبل الانتداب البريطاني ولم يأخذ هذا الاستقلال شکله النهاٸي إلا بعد تعريب قيادة الجيش عام 1956.

المد الناصري وليس المد القومي الدي يجامل فيه بعض الکتاب عام ال57 والذي کان أسمی غاياته إسقاط الممالك العربية من العراق لسوريا حتی الأردن، نجح هذا المد في دول الجوار لکن الملك الحسين ناصب الفکر بالفکر بحرکة سياسية تحسب لعبقريته الفذة لا عليها بأن قام باستقطاب معارضات هذه الأنظمة لتمارس عملها السياسي في بيٸةٍ أکثر أماناً وحرية وتم منح الترخيص لهذه المعارضة حيث کانت علی غرار انهيار حلف بغداد بعدما حدث ما حدث.

بعد هذا المنعطف الهام، تشکلت نواة المارضة الحالمة إن صح لي التعبير علی شکل لوبيات وصالونات سياسية تأخذ من مقاهي عمان مثل اللويبدة وجبل عمان زوايا مخملية تحمل النظريات ولا تمتلك التطبيق، لأنها کانت ترکزعلی نخبوية الأشخاص وأسقطت القری من کل حساباتها.

بقيت المعارضة ترواح مکانها وتکاد تخفت وتخبو دون ظهور لأنها تفتقر للأيدولوجية الحقيقية للعمل السياسي المنظم، ناهيك عن القبضة الأمنية علی هذه المعارضة لحدٍ کبير، عام 1989 بدأت السياسة المنظمة لأيدولوجيا المعارضة الوطنية، حاورت وناورت بالفکر وتحددت ملامحها، لکن قانون الأحزاب الذي ولد ميتاً بسبب شخصنة الأحزاب وترکيزها بيد شخص واحد من أجل الذات وتحقيق أهداف ومکاسب شخصية لا أکثر أودت بهذا الجنين السياسي الذي تم وأده قبل الفطام حتی.

ولنکن أکثر إنصافاً بأن القضية الفلسطينية رمت بظلالها علی المعارضة الوطنية الأردنية وربما أحد عوامل وعواٸق نضج هذه المعارضة لتشتت الأهداف وعدم وضع الأولويات لأن المستعمر کان أکثر دهاءً في تشکيل هذه الديموغرافيا ووضع العصي في دواليبها، وحتی المعارضة قديما لم تکن أکثر ذکاءً في توزيع الجهد والعمل علی الملف الداخلي بالتوازن مع ملف القضية الفلسطينية.

معارضة الخارج هي نتاج الکبت وقتل الحريات والتعبير عن الرأي لا تکميمها فقط، ولکنها تدور حولها شبهات کثيرة بأن بعضها مدفوع ومستأجر ومخطط لها إذ لا يمکن الحديث عنها کإطار معارضة ناضج ذو رٶی واضحة إذ تتمحور فقط حول مخاطبة المشاعر والعزف علی حساسية الوتر الذي يلهب تعاطف المتابع والسامع والمشاهد.

باتت المعارضة الوطنية علی منعطف قاتل وحاد وهو أنها صارت بوابة لتحقيق الذات للأشخاص الطامعين والطامحين، بتفسير أوضح المعارض يلوح بملف معارضته باليمنی لمقايضته باليسری لقاء طي هذا الملف، بعبارة أخری باتت المعارضة مغنماً لا مغرماً.

وثمة هناك فهم مغلوط إن جاز التعبير تم حقن العقل الأمني بأن المعارض الوطني هو عدو متربص بزعزعة أمن الوطن وأن له مطامع أخری علماً أن وعيه الوطني لم يخرجه من داٸرتي الانتماء والولاء المطلقين والمسلم بهما من الأصل.

لقد دأبت سياساتنا الرسمية علی تجهيل شعبها وعدم مکاشفتها له من أجل عدم خلق معارضة أيدولوجية واعية مدرکة غير مختطفة من أشخاض عابرين للذات، ناهيك عن عدم إيمان سلطة القرار العام بأنه من ضرورات التوازن الساسي هو وجود معارضة حزبية ضمن منایر واضحة لتفريغ الاحتقان والضغط الذي تواجهه الشعوب العربية، مما اضطر للجمعيات السياسية أن تأخذ دور الأحزاب وتختطف المعارضة الوطنية لأنها کانت حاصلة علی تراخيص رسمية، ولعل مشهد النقابات لا يحتاج لدليل ولا برهان علی ما نقول.

المعارضة الوطنية شعار ينضوي تحته الکثير من الإبهام وضبابية المشهد حتی أکاد أجزم أنه لا وجود لمعارضة وطنية حقيقية تمتلك أيدولوجيا واضحة المعالم وذات مشروع ممکن التطبيق بعيداً عن المناکفات والتخندق خلف الذات والتفکير بالعقل الجمعي يراعي مصلحة الوطن بالدرجة الأولی وعلی سلم أولوياته الشعب الذي کان المرحلة الأهم في رحلة التمکين السياسي المٸوي محور احتفاٸنا به والترنم علي أنغامه دون مراجعات شاملة لکل فواصل المرحلة ووضع مٶشرات النجاح الخفوت أو التلاشي.