القوانين المقيدة للحريات في الأردن بين الديمقراطية الحقيقية والديكورية



منذ سنين ونحن نشيع استخدام مفردة الإصلاح السياسي في كافة أدبياتنا ومقالاتنا ولقاءتنا، ولم تخل ورشة أو خلوة أو استراتيجية أو خطة عمل حكومية من هذه المفردة، بما يدلل على وجود فهم عام مشترك بين الجميع على ضرورة إحداث هذا الإصلاح السياسي في البلد.

للحقيقة فإن غالبية ما يتم العمل عليها من مبادرات أو مشاريع تأخذ شكلين كلاهما يشوه المطلوب، مثلا عندما نؤكد على الاستثمار كرافعة أساسية لرفد الإقتصاد ودفع عجلة النمو وزيادة فرص العمالة، سرعان ما نجد محتوى مفرغ من أي مضمون بسبب الإجراءات الروتينية، أو بسبب الواسطات والمحسوبيات، ناهيك عن الرشاوى التي يمكن أن تجد لها طرقا عديدة، وما أن يقام المشروع، حتى تبدأ سلسلة جديدة من المعيقات تتمثل في الضغوط بالتعيينات والاعتبارات الجغرافية والجهوية، وتبدأ المنغصات بأية أشكال متوقعة وغير متوقعة كأن يتم التقدم بالشكاوى على المشروع وأنه يسبب تلوثا للبيئة وضوضاء وأنه يشغل عمالة غير وطنية وهكذا... . فيما الوجه الآخر لهذه المبادرات يكون من خلال الترتيب المسبق مع المستثمرين بحيث يتم إقامة المشروع ضمن تسويات معينة وتوفير كافة الأسباب الضامنة لسير المشروع دون معيقات وفتح الأبواب المغلقة ومنح التسهيلات، حتى يصبح هذا المشروع وكأنه قلعة مغلقة خارج القوانين الناظمة للعمل في البلد.

ويمكن عكس هذا المثال على كثير من المبادرات والمنح والمشاريع الممولة التي ذهبت سدى ولم يبق منها إلا تبعات المستحقات والقروض المليارية المترتبة على الدولة.

لقد أصبحت الحكومة هي الحكم الوحيد في كل ما يتعلق بمنظمات المجتمع المدني، سواء في الرقابة على أنشطتها ونفقاتها ومصادر تمويلها ومحاسبتها وحلها بقرار إداري، وهذا ينطبق على الجمعيات التعاونية والخيرية، وعلى النقابات المهنية والعمالية، كما ينطبق على الأحزاب السياسية التي أصبحت مقيدة بعديد من الأمور التي يتولى الصلاحية فيها موظف بوزارة التنمية السياسية.

إن الحكومات المتعاقبة وقعت وأوقعت البلد بجملة تناقضات تدخل في باب الغرائب، فهي أتاحت المجال لتوالد مئات المنظمات المدنية وما تدعى بالشركات والمؤسسات غير الربحية، تماما كما هو الحال بالجمعيات الخيرية والتعاونية التي كثيرا منها مجرد اسم لا مقر له.

لقد أقرت بعض التقارير الدولية لحقوق الإنسان أن هناك قوانين وتعليمات أردنية مقصرة كثيرا في الوفاء بالتزامات الأردن الخاصة بضمانات حقوق الإنسان العالمية وحرية التجمع وتكوين الجمعيات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني..

في الصورة العامة لا تبدو الدولة الأردنية بحكوماتها المتعاقبة مُعادية لحقوق الإنسان، وقد تكون أكثر الدول العربية تجاوبا مع التوصيات الأممية في ميدان حقوق الإنسان، ولا تغيب عن محافلها ومؤتمراتها، والإشكالية لمن يقترب من الصورة أكثر أن خطابات العلاقات العامة الناعمة وتحسين السمعة، والقرارات الكثيرة التي تصدر على الورق لا تُنفذ على أرض الواقع، ولا تحتكم السياسات والممارسات الحكومية لنهج حقوقي يُرشدها.

في كل تقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان كان هناك بند دائم يتمثل بالمطالبة في إلغاء قانون منع الجرائم الذي بموجبه يتم توقيف المئات إن لم يكن الآلاف في المعتقلات المكتظة بالنزلاء وبما يفوق طاقتها الاستيعابية بأضعاف .

وفي أحدث التقارير فقد تم الحديث عن أن الأردن دولة سلطوية تحكمها القوة قبل القانون، وليس أدل على ذلك من حل نقابة المعلمين بقرار قاضي صلح عمان، إحالة حزب الشراكة والإنقاذ للقضاء بذريعة عدم تقديمه للميزانية السنوية، التضييق التام على حرية التعبير باستخدام قانون الجرائم الإلكترونية الذي تم إحالة المئات من مستخدمي مواقع التواصل إلى المدعي العام وتحت مسميات خطاب الكراهية واغتيال الشخصية ونشر الأخبار الكاذبة، وهي تعابير فضفاضة تتسع وتضيق حسب أهواء ورغبة الحكومة.

قال مايكل بَيْج، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش وهذا من سنة 2016: "ينبغي في المقام الأول ألا يكون التعبير السلمي عن الرأي جريمة. على الأردن إلغاء الأحكام القانونية التي تقيّد حرية التعبير، لا أن تضيف أحكام أكثر غموضا مثل "الأخبار الكاذبة"، التي من شأنها أن تكبح أي نقاش عام هام حول القضايا المهمة".

إننا ونحن نعبر إلى المئوية الثانية من عمر الدولة الأردنية ، حري بنا الوقوف مطولا أمام الكثير من الأسئلة الكبرى والحاسمة التي تتطلب إجابات واضحة بلا مواربة .. هناك إشكاليات في كثير من القوانين الناظمة للعمل السياسي وفي مقدمتها ، قوانين الحريات العامة، قانون الانتخاب، قانون الأحزاب السياسية، قوانين النقابات المهنية والعمالية والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني. وللحديث دائما بقية.