خطة عمل للمرحلة المقبلة: الاصلاح الحقيقي أولاً



الأزمة التي مر بها الأردن مؤخراً تجاوزت حدودها كأزمة عصفت باستقرارالنظام السياسي وتقاليده الهادئة وتجاوزتها إلى حدود كشف المستور وبيان ثقل المشاكل التي ينوء الكيان الأردني بحملها، وهشاشة الغطاء الذي تتستر تحته تلك المشاكل.

إن الخروج من دائرة العبث بالحريات العامة وإنتهاك الضوابط الدستورية بل واختطافها، واستفحال الفساد المالي والاداري، وممارسة الإفساد السياسي والمنصبي أصبح الآن أمراً واجباً وملحاً وليس خياراً ترفياً متروكاً لمزاج الحكم ورغبات المسؤولين.

تمر الدولة الأردنية الآن بأجواء سياسية واقتصادية وصحية صعبة وخطيرة، مما جعل من سقوط الدولة الأردنية على أعتاب المئوية الأولى أو استمرارها خلال المئوية الثانية أمراً يتوقف على صحة خياراتها القادمة وقدرتها على تجاوز حالة الاختناق الناتجة عن جبروت القبضة الأمنية والانكسارالاقتصادي والاستفحال الوبائي تحت معول الفساد المستمر وانعدام الكفاءة وغياب الشفافية.

إن ارسال اشارات أو تلميحات من خلال بعض الصحفيين ومقالاتهم التابعين بأن النظام لن يفعل هذا ولن يفعل ذاك لن يفيد بشئ ولن يغير من الواقع. وهذا الأسلوب العرفي في التعامل مع المواطنين بفوقية واستعلاء لن يساهم الا بمزيد من الغضب والتفاقم.

الاصلاح الحقيقي لم يعد إذاً خياراً محصوراً بإرادة الحاكم بل واجباً حتمياً على الحكم والحاكم، لا يحكمه المزاج أو تصبغه المنًّة التي ترافق عادة سياسة المكرمات. الاصلاح الحقيقي هو حق للأردنيين وواجب ملزم على الحكم. والازمات التي يمر بها الاردن بما فيها الأزمة الأخيرة تعود في أصولها الى السياسات الخاطئة التي مارسها الحكم في العقود الأخيرة.

الاصلاح الحقيقي أصبح مرتبطاً نتيجة لتفاقم الأوضاع العامة ارتباطاً وجودياً باستقرار النظام واستمراريته. ومن هنا، فإن هذا التطور المرتبط ارتباطاً واضحاً بما جرى مؤخراً في الأردن بات يؤكد على جدية الاستياء الشعبي ورفضه لكيفية ادارة الدولة خلال العقدين الماضيين وما شاب تلك الإدارة من مثالب وضعت الأردن داخلياً ودولياً في دائرة "دول الموز" وانتقل بالدولة الاردنية من مصاف الدول الملحوظة والمحترمة في العالم الخارجي الى حائط مبكى لدولة أصبحت إمكانية بقاءها واستمرارها خاضعة لتساؤل الكثيرين .

الاصلاح الحقيقي له مسارب عديدة مختلفة بعضها سلمي وبعضها الآخر غير سلمي. والخيار يحكمه سلوك الحاكم تجاه الاصلاح الحقيقي، ومن الخطأ في هذه الحالة إعتبار أن ما هو جيد للحاكم هو بالضرورة جيد للشعب ، خصوصاً إذا ما تم استعمال ذلك كأساس لتبرير خيار تجاهل الاصلاح . فهذا النمط من التفكير كان سائداً في العصور الوسطى وإبان عهود الحكم المطلق .

الاصلاح المنشود لم يعد أمراً يتعامل مع القشور، بل يصب مباشرة في صلب المشاكل التي يعاني منها الشعب نتيجة لقصور الحكم أو فشله في ادارة شؤون الدولة بطريقة سليمة وصحيحة . اللوم إذاً لا يقع على الشعب عندما يُصرّ على المطالبة بالاصلاح الحقيقي ، انما يقع على الحكم الذي جعل من الاصلاح الحقيقي أمراً ضرورياً ومطلباً شعبياً محقاً .

الحل يجب أن يأتي من الداخل ، وإعتماد الحاكم على دعم قوى خارجية ودول أجنبية يجب أن لا يشكل مدخلاً لإستقواء الحاكم على شعبه. ومن هنا يجب البدء في التعامل مع الاصلاح الحقيقي باعتباره قضية داخلية وليس خطراً على نظام الحكم يستوجب إجراآت طارئة ودعماً من خارج الحدود .

إن الوصول الى الاصلاح الحقيقي يتطلب توفر النوايا المخلصة والابتعاد عن التطرف والتعصب والشخصنة ، كما يتطلب توفر خطة عمل يمكن طرح شواخصها الأساسية للتداول على أن تراعي بشكل عام ما يلي :-

أولاً :- الاصلاح المطلوب يجب أن يأتي من القاعدة الشعبية بالتوافق فيما بينها من جهة ومن ثم بالتوافق مع الحكم من خلال عقد إجتماعي جديد ملزم لكلا الطرفين من جهة أخرى ، على أن يتم تحصين ذلك العقد بتعديلات دستورية تعكس بأمانة ودقة ما يتم الاتفاق عليه والغاء أية تشريعات أو قوانين أو ممارسات تتعارض مع مخرجات ذلك العقد الاجتماعي الجديد .

ثانياً :- التداول بين أوساط القاعدة الشعبية يتطلب إطاراً للعمل والحوار ويمكن أن يتم ذلك إما من خلال هيئة تأسيسية دستورية أو من خلال مؤتمر وطني أردني أو لجنة ميثاقية وطنية تضع تصوراً لماهية وطبيعة الاصلاح المنشود . إن مثل هذا الاطار يجب أن يحظى بدعم الدولة التي يجب أن توفر له كل أشكال الدعم اللوجستي من مكان وآليات وإمكانات كبادرة حسن نية من قبل الحكم ومقياساً لجديته في التعامل مع المسار الاصلاحي .

ثالثاً :- عقب الانتهاء من أعمال ذلك الاطار الشعبي يتم التداول في مخرجاته مع الحكومة في جلسات علنية يرأسها الملك أو من يفوضه وعلى أعلى مستوى على أن يرأس جلساتها الختامية الملك نفسه أو ولي العهد لتأكيد مصداقية ما يتم التوافق عليه والالتزام به .

رابعاً : - يتم تشكيل لجنة من مندوبين عن الاطار الشعبي والمجلس القضائي ونقابة المحامين وعدد من الخبراء الدستوريين لصياغة التعديلات الدستورية المطلوبة لترجمة مايتم الاتفاق عليه من خلال نصوص دستورية ملزمة و/ أو قوانين وتشريعات تتوافق مع ما تم الاتفاق عليه من مخرجات .

خامساً :- تقوم الحكومة الأردنية بتحويل التعديلات الدستورية المقترحة ومشاريع القوانين وكافة التشريعات المرافقة لها الى مجلس النواب على شكل مشاريع قوانين لاعتمادها والموافقة عليها .

سادساً:- يتم حل مجلس النواب وتشكيل حكومية انتقالية لاجراء انتخابات نيابية طبقاً لقانون انتخابي مؤقت يتم التوافق عليه خلال مدة أقصاها ستون يوماً من تاريخ حل المجلس النيابي.

العقد الاجتماعي الجديد المنشود يهدف الى تكريس نقاط اللقاء والاتفاق بين مكونات المجتمع الأردني ، وإلى وضع الأسس والقواعد لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الأردن . وهذا الخيار هو الأكثر سلمية ومعقولية لنقل الدولة الأردنية من المئوية الأولى الى المئوية الثانية بسلام وتعزيز امكانيات استمرارها ونموها وتحويلها من كيان عاجز الى كيان ناهض.


(lkamhawi@cessco.com.jo)