من فلسطين درس ورسالة



فتك الغرب وربيبته "إسرائيل" ، بالنظام السياسي العربي، وحولوه إلى أشلاء يناصب بعضه العداء لبعض، ف"إسرائيل" تلك، باعتبارها قاعدة الغرب الكبرى في المنطقة، وبعد أن فرضت بجيشها التقليدي وقوتها الحربية الرادعة أمرا واقعا قزمت فيه ذلك النظام العربي، تحولت، من خلال جيش إلكتروني، وأذرع مالية وإعلامية، و"مؤسسات مدنية"، إلى معركة على درجة كبيرة من الخطورة؛ هدفها إعادة تشكيل العقل والوجدان العربيين بمايحقق مصالحها، وذلك بهدف فصل العربي عن ذاته، وعن قضاياه، من خلال صناعة الانقسام في المجتمع العربي، بإذكاء الثنائيات، وترسيخها، فماعاد تجزؤ العرب، في هذا العدد الكبير من الأقطار، كافيا بالنسبة لها، لتنتقل إلى مرحلة أخرى، أَذكَتْ فيها ثنائيات بعضها عابر للأقطار، وبعضها داخل القطر الواحد، ناهيك عن أخرى قطرية قطرية.

وبالتوازي مع ذلك نَفَذَت هي والغرب دون استثاء، خططا ممنهجة لتغريب العربي عن ذاته، وعن قضاياه، وقتل قيم العطاء والإنتاج فيه؛ حيث سعت بشكل مركز إلى إماتة قيم النضال لدى الشعوب العربية بعامة، ولدى الشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، من خلال أذرع سياسية ومالية وإعلامية و"مؤسسات مدنية"، وكان ذلك حين تدخلوا في مناهجنا التربوية، وطوعوها وفقا لرؤيتهم، وحين رعوا برامج إعلامية هابطة، ونشاطات شبابية منفلتة؛ هدفت إلى تمييع النشء، وتعميق اغترابه عن ذاته، وحين عملت بشكل حثيث على الفتك بمنظومة الأسرة- من خلال برامج تحمل عناوين براقة؛ كالمرأة والطفل والأسرة- وإعادة تشكيل مفهوم القدوة؛ لعميق أثره على المجتمع بشكل عام، وعلى النشء بشكل خاص، من خلال برامج حَرَّفَتْ معنى النجومية؛ وأخذته بعيدا عن مضمار البطولة والفداء، والعطاء والإنتاج، حتى إذا ظنت نفسها قد نجحت؛ فرحت واطمأنت، لتأتيها الإجابة، وقت أن بلغ منها الزهو والغرور مبلغا كبيرا:

إذا كان النظام العربي قد استكان، ورضي بماهو عليه؛ من قسمة وتبعية، وذل وهوان؛ فإن للشعب كلمة أخرى؛ قلب فيها ظهر المجن؛ عليها، وعلى كل من ذَلَّ واستكان؛ فحطم على رأسها، ورؤوسهم، أرقام المعادلة، ليريها، ويريهم معها؛ رأي العين بأن الشعب قد انفصم عن النظام السياسي العربي برمته؛ وأنه لا يمثل الشعوب وقضايها؛ فلا وعودهم تُلزِمه، ولا مشاريعهم تُلزِمه، ولا معاهدتاتهم تَلزَمَهُ أو تُلزِمه.

الدرس كبير، والخلاصة واضحة: إن الذي قامت به" إسرائيل" والغرب من ورائها؛ من تمزيق، وتدمير، وخلط للمفاهيم، لم يأتِ أُكٌله؛ فلا سياسة إذابة الفكر النضالي قد نجحت، ولاسياسة بث الفرقة وتغيير المناهج وطمس القدوة، قد نجحت، وإن كل تلك المشاريع قد تحطمت تحت أقدام المرابطين المقدسيين، وضربات المجاهدين في عموم فلسطين، الذي قالوا لها وللعالم بأسره- بالأصالة عن أنفسهم و وبالنيابة عن الضمير العربي الحي- وبصوت عال، وفعل سام:

إن فعل النضال باق، وإنك يادولة الإحتلال، لن تهنأي، أو تطمأني، مهما فَعَلتِ، ومهما صالَ وجال مسؤولوكِ في شعاب النظام العربي المهترىء؛ ذلك هو الدرس، وتلك هي الرسالة.