خطورة الإعدامات السياسية والواجب العربي



من خلال التجربة البشرية التي دفع أصحابها دماءهم ثمنا لها ثبت انّه لا سبيل للاستقرار والنماء والتقدم للأمم الاّمن خلال الحرية للشعوب والتي هي أساس كل نهوض.

كانت الاعدامات والسجن لمدد طويلة تمارس على أيدي المستعمرين الانجليز والفرنسيين والطليان وغيرهم في فلسطين والجزائر وليبيا والعراق وأقطار أخرى عديدة، وبعد استقلال الدول العربية و الوجبات الكبرى المتتالية من ازهاق أرواح الأبرياء والإعدامات السياسية التي مورست في الوطن العربي بالانقلابات من سحل في الشوارع او من خلال الاحكام الميدانية او المحاكمات الجماعية الصورية التي تعرض لها السياسيون العرب بمختلف توجهاتهم وخلفياتهم الفكرية قومية او يسارية او إسلامية من منتصف القرن الماضي، كان يُتوقّع انّ هذه العقليات ارتوت من الدم العربي، واكتفت واتعظت بالنتائج وتوجهت لما ينفعها ويخدم دولها وشعوبها لكن بعضها لا يزال مستمرا.

إنّ ما جرى خلال السنوات العشر الأخيرة تتفطر له القلوب من خلال اختطاف ثمار الجهد الشعبي العربي لإعادة ممارسة دوره على خارطة العالم، بمؤامرات حيكت ضد دول وشعوب عربية من الحلف الدولي بوسائل متعددة وردود فعل رسمية وشعبية كانت نتائجها وخيمة لم ينتفع منها الا أعداء الامة، كما ومورس الظلم والاعتداء على أرواح حرمها الله بكل الشرائع واعتبرت جرائم كبرى، بل ومنعت بعض دساتير الدول الإعدام لأي سبب هذا من جهة، ومن جهة أخرى فثبت ان القتل والتصفية منهج لا ينتج إلا الانتقام الذي ان بدأ لن يتوقف، وفي التجارب العربية ما يكفي.

وقد ثبت انّ الإعدام السياسي والالغاء لأي تيّار سيسي ودون استثناء مستحيل و مرفوض من العقلاء والغيورين على أوطانهم، كما أن محاربة الرأي بالسيف، ومواجهة الكلمة باللّكمة أو بالسوط أو السجن، ومنهجية محاولة إلغاء الآخر المختلَف معه فاشلة ومضلّلة وقاصمة ونتائجها وخيمة ولن تحقق الاّ الدمار.

في ظل هذه الظروف الحرجة من عمر الأمة وهي تتعرض للتضييق واحتلال الأرض العربية، ولتكالب الأمم عليها، ومناصرتها لعدونا الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني، وتدنيس المقدسات واقتحامات الأقصى واغتيال الفلسطينيين ومحاصرتهم في غزة تحت سمع العالم وبصره، إضافة لما يعانيه المواطن العربي من ضيق العيش ومحاصرة الكلمة واستلاب الإرادة والتغييب عن قضاياه الاستراتيجية، مع محاولته المستمرة لتصويب المسيرة واللحاق بركب الدول الديمقراطية.

تأتي هذه الموجة الجديدة منذ 2013 من الأحكام الصّادرة بحق عدد كبير من المعارضين السياسيين في مصر بالإعدام لرجال فكر ورأي سياسي لم يحملوا سلاحا ولم يسفكوا قطرة دم واحدة إضافة لمن قضوا في السجون وفي مقدمتهم د محمد مرسي وعصام العريان وغيرهم الكثير، وهمْ منْ يقدّر خطورةَ القتل وحرمتهَ في أدبياتهم وممارساتهم وحرصهم على سلمية معارضتهم، وقد ذكرت تقاريُر دولية ومنظمات لحقوق الانسان موقفها من تلك الأحكام ومنها ما صدر بالأمس عن المنظمة. الديمقراطية الآن للعالم العربي على لسان مديرتها التنفيذية سارة واستون وعدد من المهتمين بحقوق الانسان.

إنّ المصلحة العليا لمصر جميعا نظاما وشعبا وللأمة العربية والتي تعنينا جميعا وعلى المدَيَات القريبة والمتوسطة والبعيدة وحرصا على مصر العزيزة العمق العربي الاستراتيجي الذي يُراد إضعافه واختطافه ونزعه من الجسد العربي، تقتضي إعادة النظر بهذه الأحكام التي لا يمكن ان تعالج الموقف وتفضي الى الاستقرار واستعادة مصر لدورها المحوري، و ضرورة الذهاب الى الحوار والتفاهم من الجميع دون استثناء، وتقديم المصالح الكبرى على الاجتهادات الخاصة بعيدا عن الاستقواء والإلغاء من أي طرف كان، والتي اثبتت التجارب العربية فشلها، وقد وصل الجميع الى قناعة بضرورة الاحتكام الى الإرادة الشعبية وصناديق الاقتراع الحرة واحترام الأكثرية لرأي الأقلية وضمان حقوقها، وما الجزائر عنا ببعيدة في هذا الموضوع.

أتحدث هنا عن ضرورة التوافق على منهج عربي رسمي وشعبي شامل أياً كان الظالم والمظلوم، والمعتدي والضحية، ولأننا في المحصلة نحن أبناء أمة واحدة لها تاريخها العميق استُهدفت من أعدائها طوال تاريخها والذين لم يفرّقوا بين جهة ومعتقد وفكر فيها.

ونأمل ان لا تكون القوى السياسية المدنية المعارضة ضحيةً ووقودًا أو أوراق ضغط وتحكّم ونزاع بين الأنظمة السياسية عند خلافاتها البيْنيّة، ولا أن تكون رهينة لقرارات دولية خارجية أو داخلية أيضا.

وتحفظ ذاكرتنا انّ بعض الحكّام العرب والمسلمين كانوا يتدخلون ويتناصحون ويعملون على إيقاف أحكام جائرة بالإعدام في قضايا سياسية وليست جنائية، وكان يستجاب لها أحيانا، وانهم اليوم مطالبون بموقف بحجم الأمة والإنسانية ومسؤولياتها، تماما كالشعوب والقوى السياسية والحزبية والنقابية المختلفة والشخصيات الوطنية، والكتّاب والإعلاميين، ومنظمات حقوق الإنسان المحلية والعالمية وكل عروبي وإنساني ومسلم يقدس الحرية والعدالة وحقوق الانسان.

القاتل يقتل ان ثبتت جريمته بقتل نفس بريئة بين أبناء الأمة ومع من تسالم وتعاهد، وما عدا ذلك فيقول الله تعالى: مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وقال لمن يشهدُ القتل الظالم او مقدماته:( وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ ) سواء أحياها بتحريم القتل، او الكّف عنه، أو منعه بالمستطاع، ويا سعد من نال هذا الشرف الأعظم وهو منع القتل ورفع الظلم فكأنما أحيا البشرية جميعًا.

انه نداء وطني مستقل وليس في باب الانتصار العصبي او الفئوي او الجهوي انما هو واجب القيم والمبادئ والأخلاق والمروءة والإنسانية.