قراءة في رسالة جلالة الملك لاستعادة الريادة في التعليم





 الرسالة الملكية اعتراف بتراجع الأداء في القطاعات كافة ومنها التعليم العام والعالي
علينا أن نراجع سياساتنا التعليمية في التعليم العالي والتعليم العام
يجب وقف اختطاف وتوجيه التعليم من قبل الجهات والمنظرين بدعوة التطوير والتحديث لتجريد الطلبة من هوياتهم.
لا بد لنا أن نحاكي ونتفاعل مع الأنظمة التعليمية في الدول التي تبوأت مراكز متقدمة بالتعليم
تفاعل الأردنيون مع الرسالة الملكية التي وجهها بمناسبة عيد ميلاده الستين والتي وضع فيها بوضوح خريطة طريق عابرة للحكومات لا تتأثر بتغير الحكومات ، واتسمت بتشخيص دقيق لمكامن القوة والفرص و الضعف التي اعترنا جراء التحديات والمشكلات الداخلية والخارجية، وتغير الأولويات بالنسبة للمحيط الذي نعيش فيها ، ناهيك عن التراجع في أداء المؤسسات التشريعية والتنفيذية، وتجريدها من مهامها، وانتشار الفساد والمحسوبيات والتنفيعات ، والغياب القسري للمشاركة الحقيقية للناس في ما يخطط لهم في ضل ضبابية المشهد السياسي المحلي الإقليمي والدولي ،نعم كانت رسالة واحدة برسائل عدة داخلية وخارجية منها لزرع الأمل في نفس الناس المحبطة بسبب تراجع أداء القطاعات، وغياب العدالة الاجتماعية ،وتفشيي ظاهرة الفساد الإداري والمالي، ومحاربة الرياديين والمبدعين والمتميزين ، وإقصاء الكفاءات، واختيار قيادات ضعيفة أرهقت مؤسسات الدولة ، والعجز في تقديم وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية ، والتضييق على الحريات، وارتفاع الكلف المعيشية نتيجة الضرائب، وغياب الشفافية في البيانات والمعلومات والتضليل الإعلامي من قبل فئة أصحاب الأقلام من المتكسبين على حساب الوطن والمواطن، وتقسيم وتصنيف ولاءات الناس وشيطنتهم.
نعم رسالة للناس لشحذ همام الناس والمسؤولين لإعادة الريادة في القطاعات التي كنا متصدرين فيها ، ومنها التعليم الذي يوليه جلالته الاهتمام الدائم، ويوجه الحكومات باستمرار على توفير كل الإمكانات له لكنها وللأسف فإن جميع الحكومات المتعاقبة لم تلتقط هذا التوجيه بعد.
لقد أشارت الرسالة الملكية بوضوح إلى دعوة جلالته لتطوير نظامنا التعليمي بما يلبي الاحتياجات الآنية والمستقبلية لسوق العمل، وفي هذا اعتراف ملكي بأن التعليم المأمول لم يتحقق بعد ، والرسائل الملكية في الأوراق النقاشية وخاصة الورقة السابعة الورقة التي كانت بمثابة خارطة طریق للقائمين على قطاعات التعليم العام والتعليم العالي والتدريب المھني والتقني لوضع الخطط التنفيذية لترجمة الرؤية الاستشرافية لخطط عمل لم تطبق للوصول إلى الریادة، لذا أعاد جلالته التوجيه لقطاع التعليم في الأردن ليكون بیت خبرة لكل الدول المحیطة كما كان ، وأن استراتيجية الموارد البشرية والتي تركز على تطوير التعليم لم ترى النور بعد.
ولعل هذا التشخيص الملكي عن الحاجة لاستعادة الريادة في التعليم يبعث برسالة واضحة لامست إحساس ومشاعر الأردنيين، لأنه عبر فيها عن مشاركتهم بعدم الرضاء عما يجري للقطاعات كافة ومنها التعليم ، وأضح فيها أن هناك تحديات خارجية تمثلت في عبء اللجوء على النظام التعليمي وانحسار الدعم الدولي وغيرها ، وأشار إلى أثار العوامل الداخلية الأخرى التي أدت إلى هذا التراجع مثل ظروف الجائحة والإمكانات المادية والتقنية ، لكنه أشار إلى المترددين والمرتجفين في مواقع المسؤولية ، الذين كانوا سببا في هذا التراجع ، و بعث برسالة دعم وإشارات إلى من سيتحملون المسؤولية في المؤسسات عامة ومنها المؤسسات التربوية في التعليم المدرسي والعالي لاستعادة ريادة التعليم وحثهم على ترجمة هذه التوجهات ،و اتخاذ قرارات جريئة و وضع الخطط لتتحول المدارس والمعاھد والجامعات لتكون مصانع للعقول المفكرة، والأیدي العاملة الماھرة، والطاقات المنتجة، وتزوديهم بكل ما یعینھم على استقبال الحیاة، ومواجهة ما فیھا من تحديات، و المساهمة في رسم الوجه المشرق لأردن الغد.
إن قراءة سريعة للرسالة الملكية والتي جاءت متزامنة بعد بدء المئوية الثانية للدولة تتطلب من تغيير جذري في سياسات وأولويات وإدارة التعليم، فلم تعد السياسات القائمة تصلح للمستقبل المنشود، ولم يعد شكل التعليم وخاصة بعد الجائحة هو الشكل المطلوب فقط، ولم تعد مسارات التعليم الحالية قادرة على تنمية وتلبية قدرات واستعدادات الطلبة، ولم يعد إهمال المسار التقني والمهني وتدميره مقبولا ، ولم تعد المناهج التي لاتنمي التفكير أو تدمجه مهارته صالحة للحياة المستقبلية ، ولم تعد المدارس وحدها صالحة لتكون بيئات تعليمية للغد، ولم يعد التعليم وظيفة بل يجب أن يكون مهنة، ولم تعد برامج تنمية المعلمين الحالية قادرة على الاستمرار ، ولم يعد اختيار القيادات القائمة على إدارة قطاعات التعليم هي المطلوبة إذا ما استمرت بهذا النهج .
إن توجيه جلالته الضمني بضرورة التشاركية على المستويات كافة يدعو إلى بناء شراكات وطنية داخلية وشراكات خارجية لدعم تطویر التعلیم وتوفير البيئات التعليمة المعتمدة على أحدث التقنيات والاستفادة من الخبراء والمختصين ومؤسسات المجتمع المدني، والتعاون مع المؤسسات والجھات المعنية لإحداث التغییر المطلوب الذي أصبح ھو الثابت الحقیقي في الحیاة، وبذلك نضمن مشاركة مجتمعية واسعة في عملية التطوير، وتوفير تعلم نوعي في بيئة محفزة على التعلم وملبيي لحاجات سوق العمل، ومتوائمة مع متطلبات التنافسية المحلیة والعربية والدولية.
نعم لدينا ارث تعليمي نفتخر فيه، لكن في المئوية الثانية للدولة علينا أن نراجع سياساتنا التعليمية في التعليم العالي وفي التعليم العام فلا يعقل أن تستمر الممارسات في الجامعات من قبل أستاذ ة يتحكمون بمصير طالب لم يعجبه عرقه أو دينه أو لغته أو منبته، ولا يعقل أن يستبد في التعامل مع الطلبة نتيجة ما يمنح من صلاحيات مطلقة تلقي بمفسدة مطلقة على التعليم برمته ، فلا يعقل أن تكون دعوات جلالة الملك لتهيئة و اعداد الشاب في الجامعات للمشاركة في الحياة السياسية تضرب بعرض الحائط في الوقت الذي يجب أن تكون فيه الجامعات منارة للعلم والمعرفة والتوعية والتمكين ورفد المجتمع بالطاقات، وغيرها من الممارسات في التعيين والترقية وغيرها ، والحال في التعليم العام واختطافه وتوجيه من قبل بعض المنظمات و الجهات والمنظرين الذين تفتح لهم المواقع والمحطات الفضائية أبوابها لبث السموم بداعي التطوير والتحديث لتجريد الطلبة من هوياتهم.
وعلينا أيضا أن نعزز المؤسسة التربوية إداريا وماليا ، وأن نمنحها الصلاحية الكاملة لممارسة مهامها ولا نجردها من مهامها لصالح منظمات دولية أو جهات أو مؤسسات داخلية أو خارجية تعمل وفق أجندات و مصالح سياسية أو مالية أو غيرها ، وفي الوقت نفسه لا بد لنا أن نحاكي ونتفاعل مع الأنظمة التعليمية في الدول التي تبوأت مراكز متقدمة بالتعليم، والاستفادة من تجاربها بعد تكيفها، والابتعاد عن التمترس، والعيش على الماضي، وعلينا وضع خطة لتكامل جهود جميع المكونات الوطنية والمهنية التربوية وحل مشاكلها لتتحمل مسؤولياتها الوطنية في عمليات التطوير، والمشاركة الفاعلة في دعم الخطط وتحديد أدوارها ومسؤولياتها. كما علينا التركيز على توظيف مھارات لغة العصر التكنولوجية لتمكين المتعلم والمعلم من تولید المعرفة وإنتاجه نعم فالرسالة الملكية تتضمن دعوة القائمين على قطاعات التعلیم لوضع الخطط والبدء بإجراءات تنفيذية ملموسة، والعمل دون تردد أو خوف أو تأخير، واستثمار كل الطاقات البشرية والموارد المتاحة وتوجیھھا لتحقيق النهضة التعليمية واستعادة الريادة التعليمية التي یصبو الیھا جلالة الملك عبدلله ابن الحسین، كما أن مجتمعنا الأردني یتوق لها لأنها أساس التنمية في بلدنا الحبیب.