الالعاب الالكترونية.. هواية قد تنتهي بالإدمان



يجد آباء وأمهات صعوبة بالغة في ضبط وتنظيم وقت ابنائهم المشدودين ذهنيا نحو الالعاب الالكترونية، والتي تأخذ مساحة كبيرة من وقتهم تتجاوز الحد المعقول، وتحول من ممارسة حياتهم الطبيعية وتجعلهم يعيشون في عزلة اجتماعية.

فالكثير من الأهالي يشكون من مواصلة أبنائهم اللعب والجلوس لساعات امام الاجهزة الذكية التي تم توفيرها لهم من أجل التعليم عن بعد خلال فترة من فترات جائحة كورونا، ويحاولون جهدهم لوضع حد للمبالغة في استخدام هذه الأجهزة للاستمتاع بالألعاب المبرمجة عليها من الصانع أو التي يمكن شراؤها من المحلات المتخصصة وتنزيلها على هذه الأجهزة، وسط مخاوف من تأثيرها على صحتهم البدنية والنفسية عدا عن حالة الاغتراب عن مجتمعهم الصغير "الأسرة" والمجتمع الخارجي أيضا.

رئيس قسم علم النفس في الجامعة الاردنية، والمعالج النفسي، الدكتور فراس الحبيس يرى أن تعلق الطفل او الفرد بالألعاب الالكترونية لفترة طويلة من الوقت، وعدم سيطرته على ضبط هذه الرغبة، هي علامة من علامات الإدمان، موضحا أنه حين تكون الالعاب عائقا عن الدراسة وامور الحياة الأخرى، يكون الطفل قد دخل في المرحلة الخطرة أو الحالة المرضية.

الحبيس يؤكد أن من أسباب الادمان على الالعاب الالكترونية، الاثارة الانفعالية التي ينتجها الصوت والصورة في هذه الالعاب، إضافة الى وجود مراحل متعددة في اللعبة سيما المراحل الغامضة التي لم تظهر بعد للطفل والتي تحفز الرغبة الشديدة بالاستكشاف، كما أن الرغبة بمتابعة الألعاب القتالية سبب آخر، وتكمن خطورتها في أن الطفل لا يستطيع التعبير عنها في الواقع وهو ما يفسر الطاقة العدوانية الكامنة بسبب عدم تفريغه، بعكس الألعاب الرياضية البدنية التي لها آثار صحية عديدة على جسم اللاعب ونفسيته.

ويشير الحبيس إلى ضرورة فهم الحالة الخاصة لكل طفل والتي تختلف من شخص لآخر، فمنها نقص تقدير الطفل لذاته، والتي يستمدها من خلال التقدم وتخطي مراحل اللعبة وتحقيق الجوائز، وكذلك الدافعية العدوانية، ولمعالجتها يجب تسجيل الطفل في أحد النوادي الرياضية القتالية كالكراتيه او ما شابه ذلك لتفريغ الطاقة السلبية.

ويصف اخصائي علم النفس الدكتور زهير الدباغ، ممارسة الطفل للألعاب الالكترونية في سن مبكرة حالة طبيعية لأنها طريقة من طرق التعلم، لكن الاندماج والاسترسال فيها عبر الانترنت او بدونه بعيدا عن الغاية الاساسية، يسمى "اضطراب الالعاب الالكترونية"، مشيرا الى أن هذه الحالة لا تندرج تحت مسمى "الادمان" كما يشاع، وإنما حالة من حالات السلوك الطبيعي الذي يؤدي الاسترسال فيها اكثر من الحاجة اليها إلى حالة مرضية كالإكثار من النوم أو الأكل وغيرها وتنتهي بالضرر.

ويوضح الدباغ إلى أن الاندماج والاسترسال في هذه الالعاب اذا ما تجاوزت الحد الطبيعي سيؤدي إلى اهمال باقي مناحي الحياة من عمل وصحة وتعلم إلى جانب الضرر المباشر للجسد بسبب الاجهاد والتوتر اثناء الاندماج، رغم أهميتها وفوائدها كالتركيز والحصول على المعلومات والاسترخاء وغيرها، لافتا إلى أن منظمة الصحة العالمية صنفت هذا السلوك بالاضطراب المرضي تحت مسمى "اضطراب الالعاب الالكترونية" اذا تعدت ساعات الانشغال والاسترسال بها دون سبب مباشر 30 ساعة اسبوعيا ولمدة عام.

ويرى أن الحالة المرضية لا تتأتى إلا بعد اهمال طويل، وعدم اكتراث متأصل من قبل الشخص والاهل تجاه هذا السلوك المنتشر خاصة بين المراهقين من عمر 12 -20 عاما وتحديدا عند الذكور، أما في الحالات العادية فلا يعتبر هذا مرضا وإنما سلوك يجب تقنينه وضبطه بأسلوب من التوافق والتفاهم بعيدا عن الحدة والاساءة كي لا يكون ذلك سببا للتمسك بهذه الالعاب والهروب من الاحباطات التي يؤدي إليها الاجبار اثناء معالجة هذه القضية.

إن الالعاب الالكترونية التي تستدعي التواصل عن طريق الانترنت اشد خطورة في الوصول الى الحالة المرضية، برأي الدباغ، وبالتالي الشعور بفقدان القدرة على السيطرة او تبيان مقدار الضرر الحاصل من الالتصاق بهذه الالعاب من خلال الانترنت، لأن من طبيعة ممارستها الشعور الخادع والايهام بأن ما يقوم به الطفل من لعب اهم من باقي نواحي حياته وبالتالي اهماله لكل شيء عدا الجلوس خلف الجهاز والاستمرار باللعب، لذا لا بد من تحديد الاوقات التي يشارك فيها الاطفال في هذه الالعاب.

أستاذ علم الاجتماع في جامعة اليرموك الدكتور عبد الباسط العزام يقول إن ممارسة الطفل الألعاب الالكترونية لفترة زمنية طويلة تأتي نتيجة لعدم وجود ضابط اسري محكم في تحديد الوقت والمكان المناسبين، وغياب المتابعة الحثيثة من الآباء، الأمر الذي يسهم في أن يكون الطفل ممارسا للعب.

ويشير إلى أن اللعب لساعات طويلة هو نتيجة وجود فضاء تواصلي إلكتروني واسع الانتشار أو ما يعرف بـ "الثقافة الرقمية"، إلى جانب انقطاع العلاقات الاجتماعية، كما أن جائحة كورونا اسهمت في ذلك، من خلال اغلاق المؤسسات الاكاديمية والتربوية والترفيهية والرياضية، في بدايات الجائحة، مؤكدا أن الفراغ هو العامل الاساسي في جعل الطفل يمارس هذه الالعاب مع انسيابية التعامل معها بشكل سريع وسهل ورخص ثمنها.

وحول معالجة هذه المشكلة، يقول العزام إن هناك آليات للتعامل مع الطفل من خلالها، فعلى الاباء والامهات أن يكون لهما القرار في تحديد نوع الجهاز المستخدم لدى الطفل، حيث أن الاجهزة الذكية (الهاتف النقال) لا تتناسب مع الفئات العمرية الصغيرة، وتتسبب لهم بالكثير من الاضرار، كما أن على الآباء والأمهات مراقبة نوع الالعاب لأن بعضها يحث على العنف.

وحول أثر التعامل مع الاجهزة الذكية وممارسة الالعاب، تقول استشارية طب وجراحة العيون، الدكتورة ريما نزال السكر، إن الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية يسبب إجهادا للعينين بسبب التعرض لكميات عالية من الضوء الأزرق، ومن أعراض ذلك الصداع والإجهاد العام وضعف التركيز واضطرابات النوم، وغباش وتغير في الرؤية، لافتة الى أن جفاف العين من أكثر أمراض العيون شيوعا في العصر الإلكتروني، وعادة ما يشكو المريض من احساس بجسم غريب في العين وزيادة افراز الدمع وألم وحرقة في العين.
وتضيف السكر، إن الإشعاعات الناتجة عن الأجهزة الإلكترونية تسبب ضررا على شبكية العين، غير ان ذلك لا يزال قيد الدراسات العلمية، الا ان النتائج الأولية لعدة دراسات، تؤكد زيادة نسبة حدوث قصر النظر لدى الأطفال عند الاستخدام المفرط لهذه الأجهزة، مشيرة إلى أن الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، توصي بعدم تعرض الأطفال من سن 3- 5 سنوات لأكثر من ساعة واحدة يوميا، يمكن زيادتها الى ساعة ونصف الساعة للأطفال من عمر 6- 10 سنوات، وساعتين يوميا لمن تزيد أعمارهم على 11 سنة.

وتسمح الشريعة الاسلامية باللهو المباح، ويعد من أساليب الترويح عن النفس، لكن ضمن شروط وضوابط أولها عدم الإلهاء عن واجب كأن يلعب الشخص وقد دخول وقت الصلاة فبذلك يكون قد اكتسب إثما وتصبح اللعبة حراما حتى وإن كان الأصل في اللعب الإباحة، وكذلك تصبح مكروهة إذا الهت عن مندوب، وفق عميد كلية الشريعة السابق في جامعة اليرموك، الدكتور أسامة الفقير.

ويشير الفقير إلى أن حكم تصميم ولعب هذه الألعاب، يأخذ نفس الحكم السابق بناء على ضوابط، فإذا كانت هذه الألعاب اثناء ممارستها تحث على العنف أو تبث الكراهية أو تظهر العورات، او فيها لعب للقمار أو سجود لصنم أو يتخللها تمجيد لشعائر الكفر وذم شعائر الاسلام، فهي حرام شرعا لمن يلعبها ويصنعها ولا يجوز تداولها.

وربما يؤدي بعض هذه الالعاب، بحسب الفقير، إلى نتائج محرمة كالانتحار وقتل الآخرين وتشويق الشخص كي يكون مجرما او تسهيل عملية الاجرام، مشددا على عدم الاستمرار لأوقات طويلة في ممارسة اللعب الالكتروني كي لا يتسبب بالضرر العقلي والنفسي.
--(بترا)