المحاكم الشعبية في قضايا المجتمع؛ وهم تصدر المشهد ورغبات الضحايا


الناظر بتمعن وتحليل الى مشاهد التواصل الاجتماعي مؤخرًا, يجد الانفصال ما بين الرغبات في القضايا التي فيها ناجٍ ومتهم.
تتعدد الرغبات في سبيل أهداف غير مشتركة ما بين تغريدات ومنشورات تتبع خوارزمية رقمية تعرف بسهولة الانتشار وتعتمد أيضا على ذكاء المستخدم في ملامسة مشاعر المشاهد بأقل كلمات ممكنة لوصف الحالة.
مما يساهم بانتشارها بشكل كبير بين المستخدمين الذين تربط بينهم عوامل مشتركة قد تكون جغرفية, منشورات سابقة واهتمامات مسجلة لدى قاعدة بيانات هذه المنصة وتنقلها بين شبكات المستخدمين حتى تصلُ أحيانًا إلى المحيط الاقليمي والدولي.
أود تسمية هذه الحالة "ذروة الوصول"
يساهم هذا النوع من الحملات الرقمية بإيصال رأي معين سواء كان إيجابيًا أم سلبيًا في حال تم استخدامه بالشكل الصحيح كما حدث في قضية "الرأي العام الرقمي " الأخيرة في الأردن وهي قضية التحرش.
أُصر هنا على تخصيص هذا الرأي العام على أنه رقمي لعدم نقله على أرض الواقع وعدم تأثيره (المجتمعي) واقعيًا وإنما اكتفى بإثارة الجدل وفي الأحيان ينقلب السحر على الساحر وإذا ما كان ساحرًا سيصبح ضحية حب الدفاع عن القضايا والظهور.
ماذا يحدث بعد أيام من ذروة الوصول لقضية على مواقع التواصل الاجتماعي؟
بعد سرعة الانتشار والوصول إلى أرقامٍ ومشاهداتٍ توصف بالجنونية أحيانًا يتباطأ النشر إلى أن ينتهي وبهذا تنتهي الحملة الرقمية.



في قضية التحرش الرقمية, تجد أن هنالك طرفين للقضية – الأستاذ الجامعي والطلبة الذين أثاروا القصة في حين أن الوضع المثالي لهذه القضية أن يكون الطرفان عبارة عن الأستاذ الجامعي- والطلبة الذين ادعوا التعرض للتحرش, إلا أن الطرفين تعاملا مع القضية بطريقةٍ مختلفةٍ تمامًا.
حيث نجد أن الطلبة ضربوا بعرض الحائط جميع النصوص القانونية وقاموا بالتغريد دون وعي أو تفكير أو حتى دون استشارة قانونية لما قد يتعرضون له مستقبلًا متناسين قوانين الجرائم الالكترونية.
بينما فضَل الاستاذ الجامعي اللجوء للقضاء- سواء كان مذنبًا أم بريئً- وتعامل مع القضية التي تم إدراجها على أنها بند من بنود الجرائم الإلكترونية (قضايا التشهير واغتيال الشخصية).
على الرغم من أن الطريق القانوني كان أسهل بكثير من طريق الحملة الالكترونية فبعد التواصل مع قانونيين توضحت لي بعض النقاط أذكر منها أن المدعي العام يكتفي بشهادة الفتاة أو الشاب الذي تعرض للتحرش ويترافع مندوبًا عنهم أي أنه لا داعي لوجودهم خلال الجلسات.
وأن القانون الأردني وضع مواد متخصصة لكل حالة كان من أبسطها المادة رقم 305 من قانون العقوبات فإن المداعبة المنافية للحياء)
يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة، كل من داعب بصور منافية للحياء
شخصاً لم يتم الخامسة عشرة من عمره ذكراً كان أو أنثى، أوامرأة أو فتاة لها من العمر خمس عشرة سنة أو أكثر دون رضاهم)
لو تعامل الطلبة بالطريق القانوني لأخذ كل ذي حق حقه بدل اللجوء الى المحاكمات الشعبية الرقمية أو محاكمات الوسائل الاعلامية التي للأسف تعاملت مع الموضوع على أنه مادة جالبة للمشاهدات.
أما عن الإعلام الأقليمي, لا أستطيع تحديد ما هي غايته من ذكر هذه القضية التي تخص الأردن فحسب وتخص جامعة عريقة تعاملت مع القضية بذكاء وحزم. بالأحرى يمكننا التساؤل من الذي تعمد إيصال هذه القضية إلى الإعلام العربي في حين أن القضية في حينها لم تنتقل إلى القضاء الأردني (لم يتم تسجيل قضايا في الوقت الذي تم النشر فيه بحق المتهم شعبويًا).
إذا ما الدافع من تداول قضية قد تكون صحيحة وقد تكون باطلة رغم تأكيدي على أن التحرش جريمة يجب أن عاقب عليها القانون.
لننظر الآن نظرة مستقبلية في حال تم إثارة قضية حساسة وتم التعامل معها على عكس ما تم التعامل به في هذه القضية.
ماذا لو توجه الطلبة المنظمين والمخططين لهذه الحملة إلى استشاري قانوني؟
بالتأكيد سيطلعهم على النصوص القانونية التي تتضمن ما لهم وما عليهم أي ما يخدم قضيتهم وما قد يضرها وهذا ما سيبعدهم عن التحول إلى "كبش فداء" في سبيل ِحملةٍ الكترونيةٍ فحسب.

أخيرًا عن تعامل جامعة العلوم والتكنولوجيا مع هذا الملف الئي قد يؤخذ بعين الاعتبار في تصنيفها عالميا من ناحية البيئة الجامعية,فقد أحسنت إدارة الجامعة التصرف ابتداءًا من تصريح نائبة رئيس الجامعة التي شددت بدورها على دعم موقف الطلبة إن كان صحيحًا وشجعت الطالبات على التقدم بشكوى للجامعة مع الأدلة, حتى تشكيل لجنة تحقيق تبحث في شكاوى الطالبات وأخيرًا تحويل ملف القضية إلى النائب العام.