شعوب البطاريق العربية


لطالما لفت انتباهي طائر البطريق، وتابعت حياة هذا الطائر الجليدي بقطعانه المليونية وهي تسير الهوينا بعضها خلف بعض، وتسبح بانسيابية مذهلة في المحيطات ،وتسير على الجليد بخطوات أقرب إلى البشر وهي ترتدي عباءتها السوداء ،وكأنها ذاهبة لأداء مناسك العبادة.
ولا أخفي عليكم كيفية اهتمامي بها ،لأنها تتبع "كبيرها" دون تفكير! فتراها تقف على جبل الجليد تنتظر "كبيرها" أن يهوي بجسده إلى مياه المحيط، فإن هوى هوت خلفه ،وتبعته دون أدنى تفكير في المخاطر التي قد تتعرض لها من حيوانات المحيط الخطيرة ،غير آبه لما يجري لقطيعه الذي قاده إلى الهاوية !
وبعد الانتهاء من المجزرة التي حلت بها ،تقف البطاريق المتبقية على الساحل تنتظر صدور أوامر جديدة من "كبيرها"الذي يتبختر وسطها بعباءته السوداء، ليختار لها مهلكة أخرى، حتى إذا أكتملت، انتظرته إن رغب بالقفز للمحيط مرة أخرى ،حتى تتبعه من غير تفكير أو روية ليستمر مسلسل القتل، وكأنّ الدماء والأجساد التي تطايرت في المحيط، أو على الساحل ،هي جزء من سياسة الطبيعة الدموية !
الشعوب العربية لا تختلف كثيرا عن هذه البطاريق فهي تتبع "كبيرها" دون استخدام العقل، واستنباط الأحكام، وإنما نقلًا بالإنابة! شعوب أغلقت عقولها، ومنحتها إجازة، تنتظر (بطريقها الأكبر) يسوقها إلى حتفها بعبقريته، ملتحفًا عباءته السوداء، مُنظّرًا من داخل صومعته – قصره - وكأنّه يؤدي طقوس عبادة، غير مدرك للمخاطر التي تحوم بقطيعه، ومدى المصائب التي تفتك به!.
والطامة الكبرى أن هذه القطعان البشرية العربية، انقادت إلى تلك الأراجيف انقياد الأعمى، ووضعت عقولها في خزائن التأريخ، تنتظر "كبيرها" أن يذهب بها لسفينة النجاة؛ بينما هو يذهب بها الى الهاوية؛ فهم من أقنعه أنه الشخص الأعظم والمبجل الذي لم تحبل الأرض بمثله، فسجدوا له وخنعوا لقوله وفعله، فَصَدَّقَ أنّه فوق الطبيعة، فاستعبدهم واستباحهم، حتى وصل الأمر أن يستخدمهم للدفاع عن بعض الكواسر البشرية الدموية من المتنفعين البطاريق! عفوًا الفاسدين ،ليموتوا من أجلهم ،ليتم تشييعهم بموكب بطريقي مهيب, وكل البطاريق تسير خلفهم، وهي تنحب وتولول، دون أن تعي أنها أستُخدمت للدفاع عن زعيم بطريقي دموي، أفنى قطيعه من أجله!
ما أريد قوله:أن قطعان البطاريق العربية، فرّخت حكومات بطاريق وبرلمانات بطاريق، فترى رئيس حكومة البطاريق، قد عَيّنَ "وزراء بطاريق التي باركها كبير البطاريق ” وكل وزيرٍ بطريق، عَيَّنَ بوزارته كل البطاريق المحسوبة عليه، حتى أصبحت مواريث البطاريق عُرفًا بطريقيًا .
إن تسليم الإرادة لشخص واحد فقط، لهي الطامة الكبرى، لأنه يستفرد بالقرار من دون الالتفات إلى الوراء ليرى حجم الكارثة التي خلفها!
أمّا أولى العلاجات التي يجب أن تتبناها الشعوب العربية، هو:تحرير العقول والأفهام وتطهيرها مما تلبد على أفكارها من غياهب التبعية، الذي حال دون إبصارها لحقيقة تلك الأخطاء الفادحة التي ارتكبها بعض من سلبت إرادته وباع ضميره!!
فلا خير في شعوب استنسختها أنظمة فاسدة، ولا أمل يرجى منها لتواكب الركب الحضاري، لتسجل مواقفها المشرفة على جبين الزمن.
فحب الوطن والادعاء بالولاء للأرض لا يمكن أن يرتبط بأي نوع من أنواع الانقياد أو التبعية.
فحاجتنا اليوم للاحتكام للعقل، والتنبيه والتحذير من خطورة الانقياد الأعمى والتبعية المهلكة، التي هي في واقعها طلاسم وخداع زائف، لتدمير الشعوب والمجتمعات، ضمن مشروع تغيير هوية المنطقة، أصبحت مُلِحّة.