نحو تجديد دماء المركز الوطني لحقوق الإنسان في الأردن




منذ عام 2008 وحتى اليوم، فإنّ أداء المركز الوطني لحقوق الإنسان يوصف بأنه باهتٌ، وأقل من المأمول، ولا سيما أنه بموجب القانون مؤسسة وطنية مستقلة، حيث كانت رئاسة المركز آنذاك تبذل جهودا استثنائية في سبيل تحقيق أهداف المركز ورؤيته ورسالته، وكان بمثابة صمام أمان للمركز والعاملين فيه، وحقق المركز في عهدها إنجازات كبيرة، وأصبح يتمتع بمكانة هامة وسمعة حسنة على الصعيدين المحلي والخارجي، كمؤسسة وطنية معنية بحقوق الانسان.

ولكن للأسف لم يتم البناء على تلك الإنجازات، فالمركز هذه الأيام بات في أسوء حالاته، وبدلاً من أن يكون حصناً منيعاً في الدفاع عن حقوق الإنسان، بات صامتاً أمام كثير مما يشهده الأردن من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، والأغرب من ذلك أنّ المركز نفسه أصبح سيفاً مصلتاً على رقاب العاملين فيه من المدافعين عن حقوق الإنسان، وبدلاً من أن يكون عوناً وسنداً لهم أصبح عبء عليهم وخصماً لهم، وذلك على النّحو المؤسف الذي شهدناه مؤخراً.

لا شك أنّ المركز وحقوق الإنسان وما يتصل بها من حريات أساسية، لم تعد تحظى بالاهتمام اللازم من قبل صنّاع القرار أو النّخبة الحاكمة في البلاد على اختلاف مواقعهم، وذلك في ضوء عدد من الاعتبارات، أبرزها ما يلي على وجه الخصوص:

ففي المقام الأول، هناك الاعتبار المتمثل في حقيقة سوء الفهم وغياب أو انعدام الرؤية لمكانة حقوق الإنسان من قبل صناع القرار في البلاد، باعتبار حقوق الإنسان وراء كل تطور إيجابي يرجى تحقيقه أو الوصول إليه، وأنّ إصلاح حقوق الإنسان هو المدخل لكافة أنواع الإصلاح، وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال، تحقيق الإصلاح والتنمية وتعزيز المشاركة السياسية، والعملية الديموقراطية برمتها، دون إصلاح حقوق الإنسان، ناهيك عن الدور الكبير الذي يؤديه تعزيز ونشر ثقافة حقوق الإنسان والحريات العامة كأدوات رئيسية هامة من شأنها احتواء ومكافحة التطرف والإرهاب فمثل هذا التصور لدور ومكانة حقوق الإنسان ربما لا مكانة له في أجندة أصحاب القرار.

من جهة ثانية، فإنّ ما نلاحظه منذ سنوات عديدة، خلت، أنّ هناك انحراف وقصور وتراجع وانحدار في حالة حقوق الإنسان في البلاد، وذلك على النّحو الذي وثقته تقارير الكثير من المنظمات الدولية المعنية بهذا الشأن، وآخرها تقرير منظمة هيومان رايتس ووش، وهنا يجب أنْ لا يغيب عن الذهن في هذا الشأن أنّ هذه التقارير، تأخذها بعين الاعتبار الدول المانحة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وذلك وفقاً لقانون المساعدات الخارجية الأمريكي لعام 1961.

وإذا كان الأردن حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة الأمريكية، فهل من مصلحة الأردن الذي تشكل المساعدات الخارجية الأمريكية الجزء الأكبر من مجمل المساعدات التي يحصل عليها، أنْ يتم تخفيض حجم هذه المساعدات التي تساهم بدرجة كبيرة بدعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الاستقرار السياسي، نتيجة سجل حقوق الإنسان في البلاد؟

ومن جهة ثالثة، الاعتبار المتمثل بأزمة الخطاب والتناقض بين الشعار والممارسة، أو تزايد الفجوة بين الخطاب الرسمي بالحديث عن الإصلاح السياسي والأفكار والقيم الديموقراطية، والممارسات العملية على أرض الواقع، فالترويج للإصلاحات السياسية في البلاد هنا وهناك، دون أن يترجم ذلك عملاً في قدر أكبر من الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان، وما يتصل بها أو ينبثق عنها من حريات أساسية، يبعث برسالة مفادها عدم مصداقية الخطاب الرسمي، ولردم تلك الفجوة الآخذة في الاتساع، ينبغي أنْ تكون التعديلات الدستورية الأخيرة والقوانين المرتبطة بها وعلى رأسها قانون الانتخاب وقانون الأحزاب السياسية، نقطة تحول عميقة في إدارة ملف حقوق الإنسان في البلاد، وتدشين حقبة جديدة عنوانها الأبرز احترام ونشر ثقافة حقوق الإنسان، باعتبارها حقوق مكفولة دستورياً وقانونياً وبموجب العهود والمواثيق الدولية، وبخلاف ذلك تثور تساؤلات كثيرة عن جدوى أو مدى مصداقية المشروع الإصلاحي الوطني في البلاد الذي يقوده ويتبناه الملك عبد الله الثاني حفظه الله.

وبناء على ما سبق، يمكن الجزم أنّ ملف حقوق الإنسان في الأردن، والمركز الوطني لحقوق الإنسان هو عنوانه الأبرز، أضحى بحاجة لمراجعة شاملة، ولعل إعادة تشكيل مجلس أمناء المركز، بحيث يكون على رأسه شخصية وطنية وازنة ومستقلة، ذات تاريخ من العمل في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، شخصية من طراز خاص لديها إيمان عميق بقيم حقوق الإنسان من أمثال الدكتور عبد الله العكايلة أو الدكتور ممدوح العبادي أو الدكتور علي محافظة أو الشيخ سالم الفلاحات أو المحامي راتب النوايسة، فالأردن مليء بالقامات الوطنية المخلصة للوطن والقادرة على النهوض بالمركز وتحقيق رؤيته وحمل رسالته، ومن أعضاء لهم باع طويل في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، هو السبيل الأوحد نحو استعادة المركز لسمعته، ورفع معنويات العاملين فيه، وتمكينه من القيام بوظيفته على أكمل وجه، بحيث يكون سيد قراره، ولا أحد يتدخل في سياساته، أو يملي عليه مواقفه، وفي مستوى التحديات التي يواجهها، وينعكس أداؤه على حالة حقوق الإنسان في الأردن، فالمكاسب والمنافع من احترام حقوق الإنسان تفوق كثيراً المخاسر نتيجة انتهاك هذه الحقوق، وخاصة أنّها تضر الوطن والمواطن، وتسئ لصورة الأردن في المحافل الدولية.

وعليه نؤكد على أنّه بات من الضروري تجديد دماء المركز الوطني لحقوق الإنسان، ووقف العبث بمؤسسات الدولة والاعتداء عليها، والتضحية بها، وتقديمها كمكافآت لأشخاص لا يتمتعوا بالحد الأدنى من الكفاءة أو السمعة، وليس لديهم أي إنجازات، ودوماً يقدمون مصالحهم الخاصة على مصالح البلاد والعباد، وذلك في مرحلة جديدة وغير مسبوقة في تاريخ الدولة الأردنية عنوانها الأبرز رجال الدولة الجدد أصغر بكثير من مواقعهم.

وأخيراً، إنّ الإنسان الحر المتمتع بكامل حقوقه وحرياته الأساسية المعترف بها قانونياً، هو وحده القادر على بناء الوطن ومواجهة المخاطر والتحديات سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، وهذا تحدٍ رئيس أمام حكومة الدكتور بشر الخصاونة، نأمل أن يتم تجاوزه باقتدار، فمستقبل حقوق الإنسان في الأردن ربما يتوقف على تشكيلة المركز الجديدة، وسلوكه وأدائه، فأوضاع حقوق الإنسان في الأردن اليوم أسوأ مما كانت عليه في زمن الأحكام العرفية، والجميع يتحمل مسؤولية التقصير في حماية هذه الحقوق والدفاع عنها.

اللهم اشهد أنّي قد نصحت وبلغت


* الكاتب: أستاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك