عن ملفي الطاقة ومعاهدة وادي عربة وعقل الدولة الذي حرم أن يقربهما




في مقابل المشهدية الكونية التي نرقب تفاصيلها على مدار اليوم منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية قبل حوالي الثمانية أشهر، وحيث يغرق العالم في سلسلة من الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية عنوانها الكبير هو أزمة الطاقة، تبدو المشهدية التي نعيشها أردنيا تتسم بمفارقة كبيرة.

وأما مكمن المفارقة المسجلة أردنيا، فهي؛ أنه وفي الوقت الذي فرض ملف الطاقة على قادة الغربية والصناعية، والقوى النافذة في العالم ما يشبه الماراثون المتواصل وغير المسبوق من الاجتماعات، واللقاءات، ولقاءات القمة، بحيث بات ملف الطاقة هو الشغل الشاغل، وهو محور الحديث والنقاش الدائم لقادة الدول الكبرى في العالم، كما بات هو محور نقاش النخب الاقتصادية، والسياسية، والإعلامية في مجمل الدول الكبرى في العالم، كما بات عدد القمم التي عقدها قادة الاتحاد الأوروبي ومفوضية الاتحاد، وقادة الدول السبع الكبرى، ناهيك عن الزيارات الثنائية المكوكية لقادة الولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا وبريطانيا إلى دول الخليج وسائر الدول المنتجة للطاقة يصعب على المتابع أن يقوم بتعداده أو بوضع قائمة توثقه، فإن المتابع للشأن العام السياسي في الأردن سيصاب بالصدمة وللسبب التالي.

ففي الوقت الذي تتصدى فيه أعلى الرؤوس في هرم القيادة في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وفي بروكسل حيث مقر الاتحاد الأوروبي وعلى مدار الساعة لمشكلة الطاقة وإمداداتها، وأسعارها، وتأثيراتها وارتداداتها الاقتصادية، والاجتماعية، والانسانية، والجيوسياسية، وحيث بات ملف الطاقة هو الملف رقم واحد الذي يتوجب أن تتم مواجهته وعلى مستوى عقل الدولة، فإن المراقب للخطاب العام، ولمجموع الممارسات الخطابية السائدة أردنيا سيلحظ أن ملف الطاقة هو ليس في قلب أو مقدمة عقل الدولة ولا حتى في ذيله.

وفي حين تتصدى نخب الغرب وعقل الغرب ممثلا بأعلى الرؤوس في هرم القيادة للملف، فإن الصوت الوحيد الذي يسمعه الأردنيون حول ملف الطاقة- وهو يأتي دائما من وراء حجاب- يأتي من لجنة تسعير المشتقات النفطية. إذ بات كل ملف الطاقة يختزل في المعادلة السعرية، وبمقدار الضريبة التي تجبى على كل ليتر منه، دون حتى دون طرح أي سؤال عن حجم المبالغ الكلية التي يتم تحصيلها كضرائب على المشتقات النفطية المتولدة من حوالي 130 الف برميل نفط تستهلك يوميا في الأردن، وحيث يتم جباية ما يتجاوز الخمسة مليارات من الدولارات كضرائب عليها، من المفترض أنها تحدث ثورة حقيقية في موازنة الدولة.

ففي النقاش الأردني حول ملف الطاقة، فإن أقصى ما يصل إليه النقاش حول ملف الطاقة في الأردن، يتعلق في معظم الأحيان بموضوع التسعير أو المعادلة السعرية في حين تغيب بالمطلق الاسئلة الكبرى الإستراتيجية حول هذا الملف. كما أن أقصى مستوى في هرمية صناعة القرار التي يسمع الناس صوتها حول الطاقة، هو لجنة تسعير المشتقات النفطية، وفي بعض الأحيان يسمع الأردنيون بعض الكلام من وزير الطاقة، وهو يتعلق غالبا بالتسعير وآلياته، في حين تيدو المستويات العليا في صناعة القرار وفي عقل الدولة صامتة فلا يسمع الأردنيون أي كلام من لدن قائد البلاد ورأس الدولة حول هذا الملف الاستراتيجي، كما لا يسمعون خطابا تفصيليا من طرف دولة رئيس الوزراء حول هذا الملف. كما لم نسمع مطلقا عن قيام مجلس الوزراء مجتمعا بمناقشة ملف الطاقة بالنظر للترابطية بين ملف الطاقة وكافة ملفات الدولة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والانسانية.

وأما الأسئلة الكبرى في ملف الطاقة التي يود الأردنيون أن يستمعوا لنقاشات مستفيضة حولها، كما يودون رؤية قرارات كبرى حولها وعلى مستوى قمة الهرم وبما يمثل عقل الدولة، فهي تتجاوز كثيرا موضوع التسعيرة والأسعار للمشتقات النفطية التي أوجعتهم كثيرا، وحيث اكتوى الأردنيون قبل كل شعوب العالم بنار أسعار الطاقة، ولطالما تسببت بنزيف مالي حقيقي لجيوبهم، وبخراب اجتماعي وحضري لمدنهم، والتي ما هي إلا انعكاس لغياب عقل الدولة أو تغييبه عن إدارة ملف الطاقة في البلاد منذ أكثر من عشرين عاما.

وأما الأسئلة الكبرى والإجابة حولها التي تنقل ملف الطاقة من التكتيكي إلى الاستراتيجي، والتي يود الأردنيون أن يسمعوا نقاشا مطولا حولها من أعلى جهات صناعة القرار في البلاد، أسوة بما يعيشه الفرنسيون والألمان والبريطانيون، وبما ينقل ملف الطاقة في الأردن، من إدارة هي أشبه بطريقة التاجر في إدارة دكانه القديم المتهالك، إلى إدارة ترقى إلى مستوى عقل الدولة، فهي مجموع من الأسئلة التي تتجاوز موضوع التسعير والأسعار التي هي وعلى أهميتها، ما هي إلا نتاج لغياب عقل الدولة عن إدارة هذا الملف.

ومن الأسئلة الكبرى التي يود الأردنيون أن يسمعوا من عقل دولتهم حولها، وأن يروا عقل الدولة وقد تصدى لها: هل هناك سياسة للدولة في ملف النفط؟ ولماذا تم تحرير الاتجار استيرادا وتصديرا وتسعيرا لمعظم أو كل السلع في الأردن، باستثناء المشتقات النفطية؟ ومن هي الإطراف الحقيقية التي تدير هذا الملف؟ وهل هناك سياسة للطاقة بمعناها الواسع، أم أن هناك سياسة تتمحور حول النفط والمشتقات النفطية؟ وهل السياسة تقضي في الأردن أن يتم تشجيع الناس على استهلاك النفط المستورد أصلا، ويما يخرج العملة الصعبة من البلاد، أم أن هناك سياسة لتقليل استهلاك النفط وتشجيع البدائل الأخرى من مصادر الطاقة المتوافرة محليا؟ ولماذا كان الوقود الاحفوري المدمر للصحة والبيئة هو الخيار الرئيس لانتاج الطاقة، في حين لم يتم تطوير بدائل أخرى من الطاقة الشمسية أو الرياح والتي يبدو الاردن محظوظا على صعيد توافرها؟

وكيف يستقيم حديث وزارة النفط عن تشجيع الطاقة البديلة النظيفة في حين يتم فرض الضرائب على إنتاج الطاقة الشمسية؟ وكيف يستقيم حديث معالي الوزير عن تشجيع الطاقة البديلة النظيفة في حين يتم أقفال قطاع النقل العام أمام الاستثمار الخاص وبما يحول الأردن إلى كراج كبيربحجم دولة إلى أكثر من مليوني سيارة باتت تختنق بها البلاد؟ وكيف يستوي الحديث عن سياسات تهدف لتنمية احتياطات البلاد من العملات الاجنبية في حين يتم تشجيع ثقافة استخدام السيارة في النقل والتنقل ويتم منع الاستثمار في وسائل النقل العام من شبكات المترو، أو القطارات، او الشبكات الحديثة للباصات؟ وكيف تنفق البلاد مليارات الدولارات سنويا على المشتقات النفطية لكنها ترفض الاستثمار ولو بقرش واحد في شبكة سكة حديد هي موجودة أصلا بين أكبر مدينتين أردنيتين، عمان والزرقاء؟

ولا تقتصر الأسئلة الإستراتيجية على ما سبق، بل أن أسئلة أكثر إستراتيجية يتمنى الأردنيون أن يسمعوا وينصتوا إلى عقل الدولة وقد تصدى لها. ففي الوقت الذي بات ملف الطاقة هو الملف الأهم في رسم خريطة توزع القوى العالمية الكبرى، وفي تحديد من يجلس في قائمة القوى الكبرى، ومن يجلس في قائمة الدول الصغيرة المستباحة، يود الأردنيون أن يسمعوا عقل الدولة في بلادهم وقد حدثهم عن إستراتيجية دولتهم في "أردنة" ملف النفط أو "أقلمته" في الحد الأدنى، وحيث الاردنة تعني أن يكون معظم الطاقة التي تستهلكها تنتج محليا، في حين أن الاقلمة تعني أن تكون مصادر الطاقة التي نستهلكها تأتي من الجيران الاشقاء الذي هم أيضا في شراكة جغرافية وسياسية واقتصادية وتاريخية معنا. فهل ملف الطاقة الذي باتت تتحكم في تفاصيله الإدارة الأمريكية على مستوى الإقليم كله, وحيث بات جزء كبير من الطاقة المستهلكة في الأردن يستورد من الكيان الاحتلالي، هو في وضع الأمان والاستدامة؟

وكما يغيب عقل الدولة عن الخوض والاشتباك في ملف النفط الاستراتيجي، فهو يغيب أيضا عن الحديث والنقاش وصناعة القرار على صعيد ملف السلام أو الصلح مع الكيان الاحتلالي. فقبل حوالي الثلاثة عقود، تم إبرام معاهدة للسلام مع إسرائيل. وقد سبق توقيع المعاهدة حصار اقتصادي وسياسي خانق فرض على الأردن، وصل حد حصار البحرية الأمريكية لميناء العقبة وتفتيش كل ما يدخل البلاد عبره، ما جعل الأردنيون يعانون كثيرا على المستوى المعيشي. فجاء اتفاق الصلح وسط ظروف دولية غير مواتية كان أهمها انهيار الكتلة الشرقية، وظروف إقليمية كارثية كان على رأسها حصار العراق بعد هزيمته عسكريا، وأزمة اقتصادية في الأردن اثر الحصار الدولي الخانق على العراق.

فحين ذهبت الدولة الأردنية للتسوية مع الكيان الاحتلالي، قيل للأردنيين يومها، والذين كانوا في قمة العداء للكيان ولأي تسوية سلمية معه، إن أي اتفاق مع الكيان، سوف يحقق فوائد جمة للأردن، وعلى رأسها: اعتراف إسرائيلي وأمريكي بالدولة الأردنية ما يعني دفن الكلام الصهيوني عن الأردن كوطن بديل، واعتراف إسرائيلي بوصاية العرش الهاشمي على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس, واعتراف إسرائيلي بأن العرش الهاشمي هو الشرعي، وهو من يملك شرعية الحكم في الأردن. وفوق هذا كله تم الترويج للصلح مع إسرائيل، بأن الصلح يعني ثمارا اقتصادية ومالية ومعيشية كبيرة، لان الصلح يعني خفضا في النفقات العسكرية والأمنية، كما يعني دفقا كبيرا من الاستثمارات الغربية والخليجية والأمريكية إلى الأردن، وبما يخرج الأردنيين من ضائقتهم الاقتصادية.

كانت هذه هي الأهداف التي ذهب عقل الدولة وصانع القرار في الأردن من أجلها إلى مدريد، والى توقيع المعاهدة الشهيرة في وادي عربة. وبعد ثلاثين عاما من توقيع المعاهدة، وفي ظل تلك السياسات بل الاستراتجيات الإسرائيلية المتواصلة التي نعيشها كل يوم، والتي تنسف كل يوم وبجهد استراتيجي ممنهج قائمة المصالح الأردنية، وبما يمس كامل المصالح الأردنية التي كمنت وراء توقيع المعاهدة، ووراء سكوت الشعب الأردني يومها على توقيعها. فالثمار الاقتصادية لم تأت مطلقا، ومنذ توقيع المعاهدة تزداد نسب الفقر والبطالة واستهلاك المخدرات والجريمة والانتحار، وأما الوصاية الهاشمية على المقدسات فقد تعرضت لضربة من "الحليف" الامريكي حين قام بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس معترفا بالقدس عاصمة أبدية لهذا الكيان، وبما يضعف وصاية الأردن على هذه المقدسات، ناهيك عن كم الممارسات الإسرائيلية اليومية التي تفتأت على شرعية الهاشميين على هذه المقدسات. وأما العبارة الشهيرة التي أطلقها دولة الرئيس عبدالسلام المجالي رئيس الوزراء بعد التوقيع "لقد دفنا فكرة مشروع الوطن البديل"، فالشواهد اليومية كما الوقائع الدامغة تؤكد أن الكيان الإسرائيلي الذي اختفى منه اليسار السياسي الاجتماعي وبات يحكم من قبل قوى اليمين الديني المتشدد، يعمل ليل نهار على ابتلاع الضفة الغربية وبما يعيدنا إلى مشروع الوطن البديل الذي بشرتنا قياداتنا ذات يوم أنه دفن مع توقيعنا لمعاهدة وادي عربة.

بعد حوالي ثلاثين عاما من الأداء السيئ والكارثي لمعاهدة الصلح مع الكيان، فإن من المثير للغرابة هو غياب أي نقاش على مستوى عقل الدولة عن المعاهدة، وما أنجزته، وما لم تنجزه. ألم يحن الوقت كي يقوم عقل الدولة بإثارة النقاش حول معاهدة الصلح مع الكيان، وتقييم ما حققته من هذه الأهداف، وما لم تحققه. ألم يحن الوقت كي يقوم عقل الدولة بالانخراط في نقاش مع النخب الأردنية، ومع مراكز الأبحاث الأردنية، ومع القوى السياسية في البلاد، وبما يتيح لعقل الدولة فيما بعد أن يصل إلى قرارات إستراتيجية تتعلق بالمعاهدة، وبمستقبلها.