المركز الوطني لمكافحة الأوبئة.. فشل ذريع !!




على وقع الضربات الموجعة، التي وجهها فيروس كوفيد للعالم عموما، والاردن خصوصا، وجه جلالة الملك عبدالله الثاني الحكومة الى إنشاء مركز وطني لمكافحة الأوبئة والأمراض السارية، واجزم ان جلالته أراده على غرار مركز مكافحة الأمراض الأمريكية.

وكعادة السلطة التنفيذية ، فقد وجدت الحكومة الفرصة مواتية لانفاذ سياستها التنفيعة، وبادرت الى الإعلان عن انشاء المركز ، واصدرت نظامه الإداري بتاريخ 2022/3/1 ، وولدت بذلك هيئة مستقلة جديدة ، تنضم الى شقيقاتها ، في بلد هدر المال العام .

وللحقيقة ، فإن انشاء مثل هذا المركز ، مسألة غاية في الأهمية، ويحقق -اذا ما توفرت الشروط الموضوعية- مصلحة وطنية عليا على صعيد تعزيز النظام الصحي وتمكينه من تقديم الرعاية الصحية الوقائية والعلاجية بمستوى يليق بابناء دولة تحتفل بالمئوية الثانية من عمرها .

لكن، ومن خلال تجاربنا وخبراتنا السابقة، والدروس والعبر، كنا ندرك، عدم توفر الشروط الموضوعية لنجاح المركز، ونعلم علم اليقين قدرة السلطة التنفيذية على ركوب الموجات العالية، وتحويل المصالح العليا والالتفاف عليها، وتطويعها لخدمة مصلحة الباحثين عن "الكراسي" وتنفيعهم واهدار المال العام، لملء البطون "الجربا" التي لا تشبع، وتلبية شهوة هؤلاء للسلطة.

وعند انشاء المركز، وتعيين رئيس له، كتبت هنا في جو٢٤ مقالة تحت عنوان "المركز الوطني لمكافحة الأوبئة، مهام لا ينازعه فيها أحد" عبرت فيها عن الامل أن لا يكون المركز رقما آخر في تعداد المؤسسات المفصلة على قياس محدد لشخص ما معروف مسبقا وجاهز لتبوء المنصب، مع التأكيد على مدى أهمية مثل هذا المركز اذا ما لقي الدعم المناسب، واحسنت إدارته بكفاءة من قبل ذوي المعرفة والاختصاص.

اليوم، وبعد المدة الزمنية الطويلة على انشاء المركز، يحق لنا أن نسأل: هل ما زال موجودا ؟! والسؤال له ما يبرره، إذ رغم القضايا الصحية العديدة التي تستدعي سماع صوت المركز ، فإننا نلمس غيابه التام عن ساحة الفعل الصحي الذي انشئ المركز من اجله!.

وللحقيقة ما زالت ممارسات الصحة العامة في مجال الوقاية من الأوبئة والأمراض السارية في حدودها الدنيا ، فماذا فعل المركز وانجز على طريق تعزيز الممارسات الصحية ، للنهوض بالصحة العامة ؟؟ أليس ذلك من اهداف المركز ؟؟ .
ولن نسأل المركز عن الاستعدادات للتهديد الارهابي البيولوجي وسبل مواجهتها ، لكن من حق الناس علينا ان نسأله بلسانهم ، ماذا انجز على صعيد تعزيز إمكانات المملكة في الرصد الصحي، وتطوير أنظمة المعلومات الصحية، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع انتشار الأوبئة والأمراض السارية والحد من آثارها ؟؟ .
إن معطيات الواقع تؤكد عجز المركز عن تحقيق اي من الأهداف التي طمح جلالة الملك إليها عند دعوته لإنشاء مثل هذا المركز ، وأكاد اجزم أن الامل خاب ، ومرت اشهر وسنوات منذ انشاء المركز ، الذي اصبح رقما آخر في تعداد المؤسسات المفصلة الزائدة التي لا لزوم لها .
ولست ابالغ إن قلت ان جل التصريحات الصادرة عن المركز وعلى لسان مسؤوليه ، لا تتضمن إنجازا واحدا ينسجم مع الأهداف التي وجد لتحقيقها ، يشير الى نقلة نوعية او اضافة وتحول في شكل ومضمون التعاطي مع القضايا الصحية الاستراتيجية التي يواجهها الاردن وتشكل تحديات لا بد من الاستجابة لها بفعل يرقى الى مستوى التغلب عليها !!.
وعليه ، أعتقد جازما ان المركز لم يحقق اي من أهدافه المعلنة والمهام المناطة به ، وكان طيلة المدة والى يومنا مجرد اسم ولوحة معلقة ، تدل على وجوده، كما غيره من المؤسسات التي هي مجرد تعداد رقمي ،وجودها وعدمها واحد ، وكتبنا في هذا السياق عن المجلس الصحي العالي المتوفى سريريا ، ولم يجروء احد على اصدار شهادة وفاته ، وكذلك الحال بالنسبة للمركز الوطني لمكافحة الاوبئة !!.
على اي حال ، امنيتي ومنتهى سعادتي أن يطل علينا المركز بعد غيابه الطويل ، ويفرك في عين المشكك بوجوده بصلة ، ويعلن على رؤوس الاشهاد إنجازاته والأهداف التي حققها ، وفيما عدا ذلك ستترسخ لدينا القناعة بأن توالد المؤسسات وتكاثرها ارنبيا ، يهدف الى ايجاد ما يكفي منها للارضاء في سياق نهج المحاصصة السائد في تعيينات المناصب العليا في الدولة .
والخلاصة :ان الدولة ما زالت تراوح مكانها ، وفشلت في احراز اي تقدم يذكر على صعيد الدمج والالغاء للمؤسسات المستقلة التي تستنزف مبالغ مالية كبيرة من الموازنة العامة ، دون جدوى ، والمركز الوطني لمكافحة الأوبئة اصبح واحدا منها !!.