لماذا يخشى الوزير استبيان .. الغربلة تسقط الزوان!!




اثار موجة تأييد ومؤازرة عارمة ، منشور الدكتور محمد الطراونة على صفحته الخاصة (face book) ،حول شكوى تقدم بها وزير الصحة الدكتور فراس الهواري ، الى إدارة البحث الجنائي وحدة الجرائم الالكترونية على خلفية استبانة الكترونية تطالب بإستقالة الوزير.

وعبر الدكتور الطراونة في منشوره عن "الشكر الجزيل لكل افراد وضباط ادارة البحث الجنائي و وحدة الجرائم الالكترونية على حسن المعاملة وحفاوة الاستقبال " ، مؤكدا ان الشكوى ستزيده " اصرارا وثباتًا على المطالبة المستمرة بالاصلاح في دولة ديمقراطية تحترم الرأي و الرأي الآخر دون اساءة او تشهير في ظل القيادة الهاشمية الرشيدة " .

وشكلت شكوى الدكتور الهواري بحق الدكتور الطراونة صدمة كبيرة في الاوساط الطبية والاعلامية، التي رأت فيها اعتداء صارخا على حرية الرأي والتعبير، التي يكفلها الدستور والقانون بالدرجة الاولى ، ويسعى إليها المجتمع المدني، ويضعها في صلب أولوياته.

وأود أن أشير بداية الى ان الدكتور الطراونة مواطن اردني عبر عن رأيه دون تشهير او اساءة لشخص الوزير، وهو طبيب مختص في الأمراض الصدرية ، وكان له بحكم التخصص دورا مهنيا واعلاميا توعويا فاعلا خلال انتشار وباء كورونا ، ناهيك عن نشاطه السياسي في حزب سياسي مرخص ، وقد انتخب ديمقراطيا مساعدا للأمين العام للشؤون الصحية في الحزب ، وله حضور اعلامي محلي وعربي ودولي ، ناهيك عن انه يمثل الاردن في الرابطة الطبية الشرق اوسطية .

وبعد ايحق لأي مسؤول او وزير ان يسعى الى تجريم شخصية وطنية اعتبارية واعية ومقدرة لدورها وتتسم بعمق الاحساس بالمسؤولية وتدافع عن حق الناس في الحصول على الخدمة الصحية اللائقة ؟؟ بالتأكيد لا ، ونراهن بشكل كبير على القضاء الأردني العادل النزيه ، وله دون غيره الكلمة الفصل .

وفي واقع الحال ، لست هنا بصدد الدفاع عن الدكتور الطراونة ،ولا انتمي الى حزبه ، وإن كان يجمعنا تيار حر مستقل شَخص واقعا سيئا يعانيه القطاع الصحي ، ويؤمن بضرورة الإصلاح والتغيير ، ودور الشباب وقوى المجتمع الفاعلة في ذلك ، امتثالا لدعوات بالمشاركة ، التي لطالما أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني، من أجل اردن أقوى، في محيط مضطرب .

والقضية هنا ، ليست الاتفاق او الاختلاف ، مع وجهة نظر الطراونة في دعوته لإقالة وزير الصحة الدكتور فراس الهواري ، ونشر استبانة خاصة بتأييد او عدم تأييد هذه الدعوة ، وانما الانطلاق من مبدأ سامي ، فقد اختلف معك في الرأي ، لكنني على استعداد للدفاع عن حقك في التعبير عنه ، مهما كلف الأمر .

وعليه ، فإن القضية الاساسية ، والأمر الجوهري ، الدفاع عن حق الناس في حرية التعبير عن الرأي، فالوزير شخصية عامة ،وهو يحصل على راتبه وامتيازاته ، من جيب المواطن ، وهذا الأخير من حقه ان يبدي قناعاته ويعبر عنها بحرية مسؤولة ، دون شخصنه او إساءة، وللوزير الحق كل الحق في الرد والتوضيح، ولديه ماكنة اعلامية رسمية تعينه على ذلك ، فلماذا يهرول الى الجرائم الالكترونية مذعورا من استبيان !! .

وللحقيقة، لا أعرف دوافع الوزير في التوجه إلى تقديم شكوى، لكنني أرى في ذلك ضعفا، وهروبا من مواجهة الحقائق، ومحاولة للهجوم بالهاء الرأي العام بقضايا لا قيمة لها، لحرف الانظار عن القضايا الجوهرية، والتحديات التي تعصف بالقطاع الصحي، وتهدد بانهياره.

وكي نعيد الوزير الى جوهر القصة ، نذكره بضرورة الالتفات الى مصالح الناس وهموهم، والتفرغ للتحديات الجمة التي تواجه القطاع الصحي ، وما اكثرها واعقدها واخطرها على الوطن والمواطن .

وبإختصار شديد ، فإن التحديات جمة ، والواقع الصحي مرير ، ويحتاج الى تكاتف الجهود وتظافرها ، ومد يد التعاون للجميع ، وتقبل الرأي والرأي الاخر ، والاخذ بالنقد البناء ، والكف عن خلق اجواء التنافر والتناحر والعداء .

مطلوب اليوم اكثر من اي وقت مضى ، التفات المسؤول الى مصالح الناس والتفاعل الايجابي مع هموهم ، والاحساس بمعاناتهم ، والاستجابة لاحتياجاتهم ، وانذاك لن يستطيع استبيان ايا كان مصدره ان يؤثر ، فالغربلة تسقط الزوان ويبقى القمح القارح ، أليس كذلك ؟ فلماذا يخشى المسؤول استبيان ؟؟.

واجد من المناسب ان ادعو الوزير ليقوم بجولات ميدانية يقترب فيها من كوادره الغاضبة في الميدان ، ويسمع ويرى حجم معاناة الناس على أبواب العيادات الخارجية في مستشفيات الوزارة ، وعندما تخرج من الوزارة تفرغ للشكاوى على حساب وقتك الخاص وليس على حساب المصلحة العامة ، فليس لدينا في الاردن ترف هدر الوقت وإضاعته في معارك جانبية ، تضر ولا تنفع أحدا، والخاسر الاكبر منها ، الوطن!!.