63 عام على اغتيال هزاع المجالي.. ابن الشعب



على أثر الانقلاب الذي أطاح بالعائلة الهاشمية في العراق في 14 تموز عام 1958، وتوتر العلاقات بين الأردن والجمهورية العربية المتحدة في عهد حكومة هزاع المجالي الثانية( 6 أيار 1959 – 29 آب 1960)،- وهي الحكومة الحادية والأربعين منذ قيام الدولة -، سعت أمانة الجامعة العربية الى عقد مؤتمر لوزراء الخارجية العرب في بلدة شتورة بلبنان خلال الفترة من 22 - 28 آب 1960، وكان الوفد الأردني للمؤتمر يتألف من موسى ناصر وزير الخارجية، ووصفي التل رئيس التوجيه الوطني، وعبد الحميد سراج سفير الأردن في لبنان.

دار في المؤتمر جدل طويل حول قضية فلسطين، وفي الجلسة الختامية أصدر المؤتمر قراراته بالإجماع. وكان نص المادة المتعلقة بفلسطين، كما يلي:" إن الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الشرعي في فلسطين، وله أن يعمل لاسترداد وطنه بمؤازرة ومشاركة الدول والشعوب العربية... إن على الدول العربية أن تحافظ على الشخصية الفلسطينية وتجانب كل ما يؤدي إلى إذابة هذه الشخصية، حتى إذا ما استرد الشعب الفلسطيني وطنه وحقوقه أمكنه أن يمارس هذه الحقوق ممارسة صحيحة كاملة".

صدرت الصحف الأردنية وهي تحمل نبأ الاتفاق بحروف كبيرة. وفي ذات اليوم كان الستار قد ارتفع في عمان عن المشهد الأخير من مشاهد الجريمة الدامية. وصل هزاع المجالي صباحا إلى دار الرئاسة، ولم يكن معه أي حرس، إذ كان قد الغى مرافقة الحرس له منذ عدة أشهر، على الرغم من نصائح المسئولين عن الأمن. وكان قد خصص يوم الاثنين من كل أسبوع لمقابلة أصحاب الحاجات والمظالم.

وفي الساعة الحادية عشرة والنصف من قبل ظهر يوم الاثنين 29 آب 1960 دوّى انفجار عنيف في الطابق الثاني من دار الرئاسة، فدمّر مكتب رئيس الوزراء. وبعد حوالي عشرين دقيقة على الانفجار، وبينما الناس في اضطراب وذهول، دوّى انفجار آخر في الطابق الأرضي من البناية. وقد نتج عن الانفجارين استشهاد رئيس الوزراء وأحد عشر معه، وإصابة واحد وأربعين بجراح.

كان ذلك أول حادث من نوعه في الأردن، وكان لنبأ الانفجار تأثير عميق في النفوس، وسخط الناس على الجريمة النكراء التي لم تستهدف زعزعة نظام الحكم فحسب، بل استهدف مدبروها قتل أكبر عدد ممكن من الأشخاص العاديين، لأن الذين خططوا لها أرادوا أن تقع في يوم يأتي فيه المراجعين من المواطنين إلى دار الرئاسة.

اتجهت أصابع الاتهام في حادثة اغتيال المجالي إلى الجمهورية العربية المتحدة، وتحديداً الى جهاز المخابرات السوري برئاسة عبد الحميد السراج، في حين وجهت الجمهورية العربية المتحدة أصابع الاتهام الى الدول الاستعمارية خاصة بريطانيا وإسرائيل، للقضاء على بوادر التحسن في العلاقات بين الأردن والجمهورية العربية المتحدة.

أعلن الملك حسين بنفسه استشهاد رئيس وزرائه، ووصفه بأنه:' أخ وصديق مخلص حميم... قضى في سبيل الأردن والعالم العربي.. واستشهد أثناء قيامه بالواجب المقدس'. وفي اليوم نفسه عهد الملك حسين إلى رئيس ديوانه بهجت التلهوني بتأليف وزارة جديدة تضم جميع أعضاء الوزارة السابقة. كما تم تشكيل لجنة تحقيق عسكرية برئاسة اللواء محمد السعدي مدير الاستخبارات العسكرية.

في الفترة من 30 كانون الثاني الى 4 شباط 1961، عقد في بغداد مؤتمر وزراء الخارجية العرب، وقد نتج عن المؤتمر تحسن العلاقات بين الأردن والجمهورية العربية المتحدة، وتوقفت الحملات الإعلامية بين الطرفين، وبدأ الملك حسين يميل الى الاعتقاد بأن عبد الناصر لم يكن شخصياً طرفاً في قضية اغتيال هزاع المجالي.

كان الشهيد نموذجاً فذاً ونمطاً جديداً في السياسة الأردنية، وكان يتمتع بشباب الروح والإرادة والعقل، منفتح الذهن على العمل السياسي الديمقراطي والحزبي، وكان عضواً مؤسساً في الحزب الوطني الاشتراكي المصنف آنذاك على يسار الوسط.
كان متسلحاً بالعقل متحرراً من غلواء العاطفة، لا تبهره الشعارات المتداولة ولم يحجم عن نقد المواقف التي تستهدف استثارة مشاعر الناس دون احترام عقولهم، لأنه يعتقد أن في ذلك مكمن البلاء الذي حل بالأمة.

وجاء كتابه "مذكراتي" حافل بالشواهد على رؤيته السياسية والإدارية، والتي تعتبر مصدراً مهماً من مصادر تاريخ الأردن والمنطقة العربية، كتب بحس ثقافي وشجاعة ذاتية دون شعور بالحرج تجاه هذا وذاك من السياسيين المعاصرين الذين تعرض لذكرهم وحلل مواقفهم . تميزت مذكراته بالصراحة، إذ تحدث عن حياة الضياع التي عاشها فترة من الزمن، وعن طرد الملك عبد الله له من مجلسه ذات يوم، وانتقد رجال السياسة والحياة السياسية في الأردن.

كان من السياسيين القلائل – إن لم يكن الوحيد من بينهم- الذي كتب مذكراته ونشرها وهو في أوج عطائه، اثناء تقلده منصب رئاسة الوزراء، حيث ألف كتاب "مذكراتي" ونشره في أيار من عام 1960، وكأنه يستعد للرحيل.

أصبح هزاع رئيسا للوزراء بعد سجل طويل في العمل العام، حيث عمل في الديوان الملكي، كما رأس بلدية عمان، ثم انتخب نائباً عن الكرك، واختير وزيراً عدة مرات.

في 15 كانون الأول شكل أقصر حكومة في تاريخ الأردن، والتي استقالت بعد ستة أيام أثر الاحتجاجات الصاخبة ضد محاولة إدخال الأردن في حلف بغداد.

كان من المؤمنين بالعمل الديمقراطي البرلماني، ولا ينال من إيمانه ما كان يبديه من تحفظات على أداء المجالس النيابية ومراقبته وتقييمه لها. وكان لا يتردد في الزهد بموقعه الوزاري أو النيابي ويستقيل إذا ما شعر أن وجوده في هذا الموقع أو ذاك لا يمكنه من ترجمة أفكاره، ففي 7 حزيران 1956 استقال من البرلمان، وقد جاء على لسانه بيان اسباب استقالته قائلاً: على أن ركنا هاما آخر في كيان الدولة، ظلت أوضاعه تستأثر باهتمام الناس، وتثير فيهم روح الاشمئزاز، وتنحو بهم منحى التعليقات الساخرة المريرة. ذلك الركن الهام هو البرلمان، وكيف بالله تستقيم للديمقراطية مفاهيمها البرلمانية، حيث يضم المجلس انماطاً من النواب لو استفتي الشعب بأمرهم لما تبقى منهم في مقاعد النيابة عن الشعب إلا القليل الأقل".

كان سياسياً يتحسس هموم المواطنين وشكواهم من قصور أداء الحكومة، وقد شخّص عيوب الجهاز الإداري، وكشف جوانب الخطأ في ممارسات العاملين فيه، وبسبب ذلك كان يحرص على استقبال المواطنين وخصص يوماً في الأسبوع لسماع شكواهم وحاجاتهم. آمن بالإيجابية وبالالتقاء مع الناس في منتصف الطريق ولم يكن يحمل أية مشاعر بيروقراطية بل كان ابن الشعب بكل ما في الكلمة من معنى.

أعطى هزاع مفهوما جديداً للمعارضة بمفهومها النسبي والمتحرك، وكان أحد فرسان الحياة النيابية والحزبية في الخمسينيات، ومن طليعة من شكّلوا المعارضة الاردنية، التي كانت معارضة من أجل الوطن، لا معارضة للوطن. وكان على الدوام صافي الحب والولاء لمليكه، وعميق الانتماء لوطنه، تميزه صراحة لا تعرف المداهنة أو التردد.

وإننا إذ نقف اليوم مستذكرين أحد رجالات الأردن الكبار، فإننا نحيي مبادئ مدرسة سياسية متكاملة علّها تكون منارة يسترشد بها شباب الوطن وقياداته السياسية، مترحمين على شهداء الأردن والأمة الذين ضحوا في سبيل وطنهم ومبادئهم في أحلك الظروف.