اليوم الوطني الـ74 للصين، قطبية مستحقة



بدأت الفعاليات بالاحتفال باليوم الوطني الصيني الـ74 والذي يوافق الأول من أكتوبر، ونظمت السفارة الصينية في عمان يومم الثلاثاء الموافق 26 سبتمبر 2023 حفلا رائعا، بمشاركة مجموعة متميزة من أصدقاء الصين في عمان، وكنت محظوظا بدعوتي وحضوري. يتزامن هذا الاحتفال مع الاحتفالات بالصين وسفاراتها وأصدقائها حول العالم، والتي تبدأ بعطلة مدتها أسبوع في الصين، من الأول من أكتوبر، ويُعرف باسم "الأسبوع الذهبي"، ويذكر بأن هذا العام ستشهد هذه العطلة "صفر" إجراءات وقائية مرتبطة بجائحة كوفيد-19، أي حرية الحركة مطلقة، وللتوضيح بلغ عدد رحلات المسافرين عبر السكك الحديدية يوم أمس الجمعة 20 مليون مسافر (رقم قياسي)، بالطبع تبلغ فترة الذروة 12 يوم (كإجمالي: الأسبوع الذهبي، بالإضافة الى خمسة أيام موزعة قبل وبعد الأسبوع الذهبي)، وستفوق الرحلات والإنفاق المتوقع للعام الماضي، مما سيعزز من اقتصاد الصين والعالم .

ويدهشني التقدم الاقتصادي والسياسي الذي حققته الصين، فالناتج المحلي الإجمالي (GDP) للصين قد بلغ 17.95 تريليون دولار أمريكي في عام 2022، وسجل زيادة بنسبة 3%على أساس سنوي. إذا قارنا هذا الرقم بالـ GDP للعام 1978، فإنه يظهر أنه تضاعف 120 مرة خلال هذه الفترة الزمنية، بالرغم من أن جزءًا من هذا العام شهد استمرار سياسة "زيرو كوفيد" الوقائية، والتي أثرت على النمو المتوقع لـ GDP، إلا أن الاقتصاد الصيني تمكن من التعافي السريع نسبياً. ولتوضيح التحسن في دخل الفرد في الصين، يُلاحظ أن معدل الدخل الفردي للصين كان 132 دولارًا أمريكيًا للفرد بالأسعار الجارية في عام 1972، مما جعلها تحتل المرتبة 114 عالمياً. أما في عام 2022، فبلغ معدل دخل الفرد في الصين 12,720 دولارًا أمريكيًا، وبناءً على تقديرات حسب البنك الدولي ارتفعت مرتبتها إلى المرتبة 64 عالمياً، وهذا يعني أن الدخل الفردي في الصين ارتفع بمعدل قدره 96 مرة خلال 50 عامًا. كما تتصدرالصين (حسب موقع صندوق النقد الدولي) المساهمة في الاقتصاد العالمي متجاوزة الولايات المتحدة، بعد تعديل الـ(GDP) على أساس تعادل القوة الشرائية، فتصبح حصة الصين تقارب 19% مقارنة بالجانب الأمريكي الذي يقارب 13.5%. تلك الأرقام تظهر أن الصين قامت بما يمكن تسميته بـ "معجزة" أو على الأقل "عملية اللحاق" (Catching Up)، والتي تشير الى المكان الطبيعي لدولة بحجم الصين وتعدادها السكاني.

بغض النظر عن المصطلحات المستخدمة، يمكن القول بأن هذه الإنجازات لم تكن لتتحقق لولا وجود قيادة حكيمة. فمنذ عام 1949، شهدت الصين توالي رؤساء بارزين قاموا بإصلاحات داخلية وخارجية متعددة، بدءًا من الرئيس "ماو زيدونغ" الذي وضع أول دستور للصين وقاد سياسات إصلاحية مهدت الطريق للصين نحو التقدم. واستمر الأمين العام للحزب "دنغ شياو بينغ" في هذا النهج وأدخل إصلاحات أخرى مهمة مثل "سياسة الباب المفتوح" التي فتحت الصين للعالم ومكافحة الفقر وتحسين مستوى التعليم. وحالياً، أطلق الرئيس الصيني "شي جين بينغ" مبادرة "الحزام والطريق" في العام 2013، والتي أحدثت تحولًا تاريخيًا في الاقتصاد الصيني وتعاونها مع دول أخرى والتكامل الاقتصادي العالمي، بالإضافة الى توجيه الصين نحو "صناعة الإبداع"، وذلك من خلال استقطاب الأفكار والمبتكرين، وشهدت الصين تطور هائل بقيادته تمثلت بشبكات النقل المتقدمة والاتصالات وأنظمة الدفع الذكية وتقنيات التسويق الذكي وإنشاء مدن جديدة مثل شينزين وتيانجين، بالإضافة إلى تقنيات مثل الجيل الخامس وانترنت الأشياء. تلك الإنجازات جعلت الصين تحتل مكانة مهمة كقطب تجاري وصناعي عالمي.

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية والعسكرية، حققت الصين العديد من الإنجازات، منها استعادة مقعدها في الأمم المتحدة في عام 1971 والاعتراف العالمي بسياستها "الصين الواحدة". كما أطلقت مبادرة "الحزام والطريق" التي أحدثت تحولًا تاريخيًا في الاقتصاد الصيني وتعاونها مع دول أخرى. وقد أتمت الصين مع 14 دولة أخرى اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RECP). تعتمد الصين أيضًا على دعم قضايا عالمية متعددة وتسعى إلى حل النزاعات بوسائل سلمية، مثل وساطتها الفعالة بين السعودية وايران والتي انتهت بإعادة العلاقات الثنائية بين البلدين. أما على الصعيد العسكري فعملت الصين على تحديث جيشها واستثمرت في أنظمة أسلحة متطورة ووسعت قدراتها البحرية. وتحل الصين بالمرتبة الثانية بحجم الإنفاق العسكري بعد الولايات المتحدة، ولكن العقيدة العسكرية للصين دفاعية، فلم يحدث أن هاجمت دولا أو قوضت سلطة أنظمة، وتبقى قوتها لحماية نفسها. وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تتربع الولايات المتحدة الأمريكية على قمة العالم بإجمالي الإنفاق العسكري البالغ 778 مليار دولار في عام 2021، وحصتها من الإنفاق العسكري العالمي حوالي 39٪، أما الإنفاق العسكري للصين بلغ 252 مليار دولار وحصتها من الإنفاق العسكري العالمي حوالي 13٪. وهذا يعني أن الولايات المتحدة أنفقت ما يقرب 3 أضعاف ما انفقته الصين، كل هذا ولا يوجد للصين قواعد خارج أرضها، باستثناء قاعدة وحيدة في افريقيا. وبالطبع تدعم السياسة الخارجية والعسكرية قطبية الصين، في عالم ضل أحادي القطبية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

في الختام، يُعتبر تحول الصين نموذجاً للدول النامية، فبأقل من 74 عام خرجت الدولة من ظلال الاستعمار والجهل والتخلف إلى قطب دولي في جميع المجالات. ويعكس النموذج الصيني القيم القيادية الحكيمة والسياسات الناجحة التي تمكنها من تحقيق تقدمها بسرعة. وتجسد الصين السلام والتعاون الدولي والرغبة في تحقيق مصلحة مشتركة، وهي قصة نجاح تلهم العديد من الدول حول العالم. وتواجه الصين تحديات مختلفة مثل غيرها من الدول، فما زالت ظلال الكوفيد-19 تؤثر على التعافي الاقتصادي المطلق، وبالإضافة الى التوترات في جنوب الصين وتايوان، ومؤخرا تم اطلاق مبادرة منافسة لمباردة الحزام والطريق، والتي تمت برعاية سعودية-أمريكية-هندية، ستؤثر على تنوع البضائع للدول التي تستهدفها المبادرتين.