50 عاما على حرب 1973




كانت الحاجة إلى خوض جولة أخرى من القتال هي الفكرة التي استحوذت على ذهن القيادة السورية بعد هزيمة حزيران، فلم يكن السوريون يرون أي أمل في تسوية بالمفاوضات بدون تعديل الميزان أولاً.

كان حافظ الأسد يختلف عن معظم الزعماء العرب في أنّه تجرأ على التفكير في مهاجمة إسرائيل، وهي فكرة كان أول عربي يشترك فيها مع السادات. وكان الأسد بحاجة وقبل كل شيء إلى كسر طوق العزلة الإقليمية والدولية التي كانت تعيشها سوريا.

أعلن الأسد بعد أيام من استيلائه على السلطة في تشرين 1970 أن سوريا ستنضم إلى الإتحاد المقترح بين مصر وليبيا والسودان، كما أعادت سوريا علاقاتها مع تونس والمغرب والسعودية والأردن، وتكررت زيارات الأسد إلى الاتحاد السوفييتي من أجل الحصول على الأسلحة المناسبة.

وإذا كان الاتحاد السوفييتي مصدر السلاح الممكن الوحيد لسوريا، فان مصر كانت حليفتها الوحيدة الممكنة، وكان إدراك القيادة السورية للضرورة الجغرافية – السياسية لقيام تحالف سوري – مصري، فقد كانت دمشق والقاهرة على الدوام محور التاريخ العربي، وعندما كانتا تتحدان كان العرب ينتصرون، وعندما كانتا تتباعدان كان العرب يضعفون ويتعرضون للأخطار. ولو لم تنفصل سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961، لامكن تجنّب كارثة 1967 التي لعبت فيها إسرائيل على وتر الخلافات السورية المصرية.

على الصعيد العسكري كان الأسد يعلم أن إستراتيجية فتح جبهتين ضد إسرائيل هي من المتطلبات الجوهرية اللازمة المسبقة لتحقيق النصر. وقد اتفق المخططون السوفييت مع هذا التحليل.

صاغ حافظ الأسد تحالفه مع السادات تحت مظلة اتحاد الجمهوريات العربية، وهو مشروع طموح لتوحيد مصر وسوريا وليبيا والسودان أعلن عام 1971، ورغم عدم تحقق هذا المشروع إلا أنّ اجتماعات القمة الاتحادية أدت وظيفة حيوية وهامة هي تقديم غطاء للأسد والسادات لاجتماعاتهما السرية. وفي 3 تشرين الأول تم الاتفاق في منزل حافظ الأسد بدمشق على أن يبدأ الهجوم على الجبهتين في الساعة الثانية من بعد ظهر السادس من تشرين الأول 1973.

ولكن بينما خطط الأسد لاستعادة الأرض، كان السادات لا يأمل في أكثر من إزالة العقبات أمام عملية دبلوماسية. فكانت حرب الأسد حرب تحرير، بينما كانت حرب السادات في جوهرها حرب تحريك.

استند التخطيط للحرب إلى خطة خداع وتضليل استراتيجي كبيرة شملت نواحي عسكرية وإعلامية ودبلوماسية واقتصادية، فنجد على سبيل المثال أنه تم تسريبُ معلوماتٍ للجانبِ الإسرائيلي ، مفاداهُا أن مصرَ ستبدأُ إجراءَ مناوراتٍ شاملة وليس حرباً في الفترة من 1 وحتى 7 أكتوبر، وأنه قد سمح للجنود المصريين أداء العمرة.

وفى صباح يوم الحرب يوم 6 أكتوبر شُوهدُ الجنود وهم في حالةِ استرخاء وخمول يقضون وقتهَم في ممارسة الرياضة، وقبل ذلك بيوم اجتمع "وزير الخارجية الأمريكي" وقتَها، بنظيرهِ المصري الدكتور "محمد حسن الزيات" ليتبادلا الحديثَ حولَ مبادرةِ السلام التي كان الأول بصددِ التفكيِر فيها بعدَ الانتخاباتِ التشريعيةِ في إسرائيل.

تم نشر أخبار سلبية عن الوضع الاقتصادى وتصدير فكرة أن مصر لا يمكنها خوض أي معارك، وليس أمامها خيار آخر سوى القبول بحالة السلم، وعلى الصعيد السياسي تم إعداد خطة حرب بسيطة وشاملة بالتنسيق مع الجانب السوري.

كما أنشأ الجيش المصري على الضفة الغربية للقناة ساترًا ترابيًا في مواجهة مناطق تمركز قوات العدو لإخفاء التحركات العسكرية، كما أقام عددًا من السواتر في العمق لنفس الغرض، وقد حققت هذه السواتر أهدافها إذ جعلت العدو يقتنع بأن الجيش المصري قد لجأ إلى إستراتيجية دفاعية في حماية هذه السواتر، كما ساعدت على إخفاء تحركات القوات المدرعة المصرية نحو شاطئ القناة لتأخذ أوضاع الهجوم عندما بدأت الحرب.

شملت الخطة أيضا اختيار ساعة الصفرالتي حددت في الساعة الثانية ظهرا فى العاشر من رمضان والسادس من تشرين، لعدة أسباب أولها أن العدو لن يخطر بباله أن الجيش سيخوض الحرب فى شهر رمضان. إضافة لتعامد الشمس فوق القوات الاسرائيلية بشكل يصعب عليهم الرؤية، كما كانت اسرائيل منشغلة بعيد الغفران اليهودي، وتستعد لخوض انتخابات تشريعية.

كانت حرب تشرين أكبر مشروع عسكري نفّذه العرب في العصر الحديث، ولكنه بدل أن يحقق الآمال الزاهية التي عقدوها عليه، فقد قدّر له أن يكون من الناحية السياسية كارثة وضعتهم على طريق التفكك، عندما خرج السادات عن الخطة المتفق عليها مع السوريين إلى الخطة غير المعلنة وهي تحقيق أي انجاز عسكري يسمح بتسوية سياسية، ترتّب عليها خروج مصر من معادلة الصراع كأكبر تراجع استراتيجي في موازين القوى لصالح إسرائيل.

خسرت اسرائيل حوالي ثلاثة آلاف قتيل وما يزيد على ثمانية آلاف جريح على الجبهتين، وحوالي 110 طائرات مقاتلة وعمودية، وسجلت معظم الخسائر في الأيام الخمسة الأولى من الحرب.

وفي اليوم الأول من هجومهم المفاجئ اجتاح المصريون والسوريون حواجز دفاعية إسرائيلية على جبهتي سيناء والجولان، حيث تمكن الجيش المصري من تحطيم خط بارليف الحصين، في حين دور السوريون التحصينات الإسرائيلية في هضبة الجولان، إلى شاطئ طبريا ونهر الأردن.

كان خداع السادات للأسد يتجاوز تخريب خطة القتال على جبهتين، بل امتد ذلك الخداع ليشمل دبلوماسية السلام التي كان ينتهجها طوال فترة النزاع. وكان الأسد قد فهم أن أساس التحالف السوري – المصري هو أن البلدين سيكونان كبلد واحد في الحرب كما في السلام، بحيث يبقي كل منهما الآخر مطلعاً اطلاعا كاملاً على الأوضاع، ويمنعان عدوهما المشترك من استغلال أية ثغرات بينهما. ولم يكتشف الأسد أنّه كان مخدوعاً إلا بعد انتهاء الحرب، ولم يعلم أن السادات كان على اتصال سري بكيسنجر في كل يوم من أيام الحرب.

ونتيجة الضغط الإسرائيلي على الجبهة السورية بعد توقف تقدم الجيش المصري، انشغل الأسد بالدفاع عن دمشق، وبفضل جسر جوي سوفييتي تمكّن من إعادة تجهيز قواته، وضغط على حلفائه العرب للاشتراك في المعركة.

دخل العراق والأردن الحرب، ورغم تكبد العراقيين خسائر فادحة فإنهم بالاشتراك مع للواء الأردني المدرّع 40 قد لعبوا دوراً هاماً في تقوية الدفاعات السورية ووقف التقدم إلى دمشق، وقد استشهد حوالي 320 عراقيا، دفنوا في منطقة السيدة زينب، في حين استشهد 23 جنديا أردنيا.

وفي 22 تشرين الأول صدر القرار رقم 338 من مجلس الأمن الدولي. وقبلت إسرائيل ومصر وقف إطلاق النار على الفور، أمّا سوريا فلم تفعل، واستمرت المواجهات حتى تم التوقيع على اتفاقية فصل القوات بين سوريا واسرائيل في 31 أيار عام 1974، حيث استعادت سوريا جزءا من مرتفعات الجولان بما فيها مدينة القنيطرة.