كلنا فلسطين والأردن



لم اكتب شيئاً منذ السابع من أكتوبر المجيد الذي سنظل نعيد قراءته وتحليل نواتجه دون أن نصل إلا لنتيجة واحدة مفادها أننا عشنا عقوداً وحروباً ومجازر ونكبات ووحشية كان يتم صفعنا وخذلاننا وهواننا وقلة حيلتنا في وجه عالم ذو تعددية الوجوه، فهو يزعم أنه حامل لواء الحرية وحقوق الإنسان وصون كرامته، لنكتشف أن هذه المبادئ يختصون بها لشعوبهم وأعراقهم وأنسالهم، فيما يتم التجاهل والتغاضي والتغافل عن كافة الجرائم الوحشية والتطهير العرقي والإبادة الجماعية والإحتلال الغاصب للتاريخ والأرض والهوية. هكذا هو الوجه القبيح للغرب المتلون حسب مصالحه ومعتقداته الدينية التي يسعى لفرضها بدعوى التسريع في تحقيق النبؤات والنهايات.

قلت لم أكتب شيئاً ليس عن عجزٍ وإنما عن شعور متناقض لشخص اعتاد الهزيمة تلو الهزيمة، يحمل خيمته فوق ظهره، ويعشعش اللجوء والنزوح والتشريد في نخاع العظم منه.
نعم لم أكتب شيئاً أمام قداسة الدم القاني السخي الندي، لم أكتب شيئاً أمام الروايات التي لا تتطلب أقلاما ولا أفكاراً، فهي في كل لحظةٍ ترسم بأجساد أهل غزة.
ماذا نقول في حضرة سادة الفعل، ماذا نكتب في حضرة سادة اللغة والخطابة وفن الإلقاء الإنساني.
أية روايات أو حكايات ينسجها الخيال كي تصل في حبكتها لأقل واقعةٍ في غزة.
لا أريد الحديث عن أي تخاذل أمام عظمة الفعل الفلسطيني المشرّف، لكن أريد أن نعي وندرك أن الدفاع عن غزّة وفلسطين ودعم صمودهم وتلبية احتياجاتهم الأساسية، يمثّل دعماً بالدرجة الأولى للأردن وشعبه وأمنه، علينا أن لا ننسى أن ما يدعى بالخيار الأردني هو سياسة صهيونية ثابتة منذ نشأة الكيان الصهيوني، وهدف يسعون إليه في جميع المواقف والحالات. الخيار الأردني الذي يعني تهجيراً بالكامل للأهل في غرب النهر إلى شرقه باعتباره الحل للمسألة الصهيونية التي تنادي بيهودية الكيان، وفي كل مرةٍ يحدث فيها حرباً ضد الأهل في فلسطين، يعود الحديث عن الترانسفير المرفوض منا جميعاً، لقد ذاق الشعب الفلسطيني المرارات كلها والخديعة عندما تم تشريدهم ذات نكبة قبل خمس وسبعين سنة، فهم لم يبتعدوا عن مدنهم وقراهم كثيراً على أمل العودة بعد أيام، أيام أصبحت سنوات تتعاقب والنكبة تتكرس والمجازر لا تنتهي، والعودة لم تأت بعد.
علينا أن ندرك أننا في مركب واحد، وأن الوجع والحلم واحد، وأن المصير أيضاً واحد، فلا خيار أمامنا إلا الخيار الواحد الذي يقوم على فلسطين وتحريرها وصون وحدة وتراب أرضها وصون وحدة وتراب أرض الأردن العروبي.
لم يأل الأردن جهداً في سبيل فلسطين ودعم مواقف الأهل إلا وكان الأول والرائد في تبنيه، وهذا قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر اليوم والذي يدين الإجرام الوحشي للكيان الصهيوني الغاصب ويدعو إلى فتح المعابر والسماح بالمساعدات الإنسانية الملحّة والضرورية، قرار قدمه الأردن ودافع عنه بكل كرامة وكبرياء وإنسانية.
إن الأردن الصامد القوي هو الخيار الفلسطيني بالأساس، لهذا علينا أن نعلنها جميعاً أننا ندافع عن الأردن وفلسطين معاً، وأن من يمسّ الأردن بسوء، سنكون له الشوكة والرصاصة والقذيفة.
لم يصح الكيان الصهيوني الغاشم من هول ووقع السابع من أكتوبر الذي خلّده التاريخ بأسطر من مجد وكسر شوكة المعتدين، فما حدث أنه كان نصراً بكافة المقاييس، وكان هجوماً على معسكرات وعلى كتائب وجنود ومستوطنين هم في عداد الجنود الإحتياط.
22 يوماً وغزّة تقاوم بلحم أبنائها وبنيتها ومتطلباتها الجيش الرابع في العالم قوةً وتسليحاً، تقاوم بوارج وإمدادات غير معهودة من أقوى الدول الغربية التي سارع رؤسائها لإعلان الدعم والتضامن مع الكيان الصهيوني، لا بل كانوا مثالاً للمذلّة والخنوع وكأنهم جاءوا بموجب مذكرات جلب ليقفوا خلف المنصات ويعلنوا وسمهم بالنجمة السداسية.
ربما كان شعاراً ذات مرحلة لم نقف عنده كثيراً، شعار كلنا الأردن، لتتضح الصورة تماماً أننا كلنا الأردن وكلنا فلسطين.
غزة ما زالت سبابتها تقاوم كل قطعان العالم المسلّح بكل صنوف الأسلحة، غزّة متشبثة بالحياة والإرادة والعزيمة، لكنها تنتظر منا الدعم والوقوف كلنا في مختلف مواقعنا إلى جانبها، يا أهلنا في الصفوف الأمامية الأولى. ستقيء الحمل عليهم، والنصر قريب قريب قريب.