مقاومو غزة يعيدون كتابة التاريخ ..اندحار المادة وانبعاث القيمة

 


 لست مفتونا بالمدرسة الواقعية  ، ولا احفل بلغة  الارقام ، ما اعرفه جيدا ان الحرب  هي صراع إرادات ، وان التفوق التسليحي ليس كافيا لحسم المعارك على الارض ، هذا ما اثبتته دروس التاريخ ، وهو ما حدث في الجزائر وافغانستان وفيتنام  وغالبية دول المنطقة التي خضعت للاستعمار الغربي ، حيث قدمت الشعوب المستعمَرة تضحيات جسام من اجل الحرية والاستقلال ، صحيح انه كان استقلالًا مؤقتا شكليا منزوع الدسم الا ان البطولات و التضحيات كانتا الوسيلتين اللتين عبّدتا طريق الحرية قبل ان تختطف الثورة ويتم الانقلاب على الشعوب .. 

ما يحدث اليوم في غزة ليس بعيدا عن هذه السيرورة ، عن هذه الحتمية التاريخية ، فمهما بلغت عنهجية الظالم المحتل ، فان طريق الحرية سيشقه ابناء هذه الارض المباركة ، وما طوفان الاقصى الا مقدمة لنصر مؤزر قادم لا محالة .

الرئيس الامريكي جو بايدن يقول :  لن نسمح لحماس بالانتصار في هذه الحرب ، ونتنياهو يقول ايضا ان هزيمة اسرائيل  تعني سقوط كيانهم وانقضاض الجميع عليه ، فلا مفر من الفوز وتحقيق جميع اهداف هذه الحرب ، لا اعرف لماذا ذكرتني هذه التصريحات، بما قاله  الرئيس الامريكي جورج بوش اثناء حرب بلاده العدوانية على افغانستان : سنقضي على طالبان ونسيطر على افغانستان ،وجميعنا يعرف النتيجة جيدا ، هزيمة مدوية ونكراء للامريكان وصمود اسطوري لاصحاب الارض ، واستعادة لمقاليد الحكم ، اما اسرائيل فقد هددت بالقضاء على حماس في خمس عمليات حربية باشرتها في غزة قبل طوفان الاقصى ، ومع ذلك بقيت حماس ونمت واشتد عودها  وخرج جيش الاحتلال من غزة مدحورا مهزوما  بعد ان قام بتفكيك مستعمراته فيها ، ورغم هذه الامثلة الملهمة ، يستمر البعض بأخذ تقديرات وادعاءات  قادت الغرب  كمسلمات ،وقضاء لا مفر منه ..  

ما زال بيننا للاسف من يعتقد بحتمية انتصار العدو الصهيوني في هذه الجولة من الحرب ، ولهؤلاء اقول : 
-عملية طوفان الاقصى في السابع من اكتوبر هي انتصار استثنائي للمقاومة الفلسطينية الباسلة ..
- صمود المقاومة حتى يومنا هذه بعد اكثر من شهرين من الحرب هو انتصارحقيقي  لم يعرف التاريخ له مثيلا  ،ونحن هنا نتحدث عن بضعة الاف من المقاتلين يخوضون حربا مفتوحة ضد جيوش نظامية  مصابة بالسعار وحمّى القتل تستخدم  احدث منظومة تسلح على الاطلاق   ، جيوش متحللة من كل الضوابط القيمية والاخلاقية  تضرب غزة على مدار الساعة ، ومع ذلك ينجح المقاومون  في إثخان  جنودهم قتلا واصابات وعطب الياتهم المدرعة على امتداد خطوط المواجهة في قطاع غزة ..
-يريد الغرب حلفاء الكيان المحتل  نصرا بأي ثمن،  ولو كان نصرا على الورق وشاشات التلفزة ، يريدون ان تخور الهمم وتبرد العزائم ، يسعون لتفكيك حالة  ارتفاع مناسيب الامل  بفعل شجاعة وتضحية المقاومة في غزة ، والعودة بنا لمربع الخوف والاستسلام لاكاذيبهم وادعاءاتهم الفارغة .. 
-يخوض العدو الصهيوني  وحلفاؤه الغربيون حربا اعلامية ضروسا ، يستخدمون فيها كل اشكال التضليل  والتلفيق والكذب ويستمرون بتكرار هذه التخرصات لغايات اقناع الناس بها ، فهم يكذبون ويكذبون سعيا لتصديق الناس لهذه الاكاذيب ،مرجعيتهم النظرية هو وزير الدعاية  النازي جوزيف جوبلز، وهي ادعاءات  يريدون منها حسم النتيجة اعلاميا لصالحهم بعد فشل عملياتهم العسكرية في ميدان الحرب في احراز اي انتصار يعتد به .. 
-  نحن نتحدث عن التفاف شعبي خلف المقاومة رغم حجم الدمار الشامل والموت الذي يتهددهم جميعا اطفالا ونساءا وشيوخا ومدنيين عزل ، نحن نتحدث  عزيمة شعبية لا يتخللها وهن ، وعقيدة راسخة لا يمكن هزيمتها ابدا ..

 غزة تفتدي مقاوميها بالارواح والمهج بالغالي والنفيس ، والمقاومة تصنع المعجزات نعم المعجزات من اجل غزة حرة ، من اجل كرامة ابنائها،  من اجل الاقصى من اجل  فلسطين والفلسطينيين من اجل امة عاجزة خائفة مرعوبة خذلتهم خذلانا مؤلما مشينا في لحظة تاريخية فاصلة ..  

الصمود انتصار ، المقاومة انتصار ، الديمومة انتصار ،مقاومو غزة يعيدون كتابة التاريخ وينحتون  معاني جديدة للنصر ، الشعوب الحرة تقدم اثمن التضحيات من اجل الحرية ، الجزائر قدمت مليون ونصف  شهيد في سعيها للحرية ، وها هو الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة يسطر ملحمته الخاصة وصولا الى حريته ، او للدقة حريتنا جميعا نحن المسكونون بوهم التفوق الغربي وآلته العسكرية .. 

انه جهاد في سبيل الله - كما يقول ابطال المقاومة - وخيارات المجاهدين اما نصر او استشهاد  وهؤلاء في الحالتين لا يعرفون الهزيمة ولا يرضون بها ابدا .. فماذا عنكم انتم ؟!! 

واقولها من جديد : نِعم البيع بيعهم وبئِست التجارة تجارتنا ..