اسرائيل كيان بلا دستور.. لماذا؟!



ان وجود اي جماعة سياسية منظمة يقتضي وجود دستور لها يحدد الاسس والقواعد التي تنظم وجودها، وقد ارتبط وجود الدستور بوجود المجتمعات السياسية على مر العصور، فأي مجتمع سياسي قائم يتطلب وجود نظام اساسي يتولى تحديد نظام الحكم ، وشكل الدولة وعلاقة الحاكم بالمحكوم ، فمن الناحية السياسية يعمل الدستور على تحديد هوية الدولة وطبيعة وشكل النظام السياسي والسلطات القائمة فيها والعلاقة التي تحكمها ، اما من الناحية القانونية يعتبر الدستور رأس هرم التشريعات في الدولة بما يحتم توائم جميع التشريعات في الدولة مع النصوص الدستورية وهو ما يعرف بمبدأ السمو الدستوري.

كما ان الدستور يقرر الحقوق الاساسية للأفراد في الدولة بما يكفل للفرد الحياة الكريمة دون انتقاص او تمييز ، فهو يقرر ويحمي سائر الحريات الفردية وتكافؤ الفرص ، فهو يعتبر الضمانة الاساسية لمقدرات الامة والمجتمع ، وهو في ذات الوقت يعمل على ترسيخ الاطر القانونية لحماية لغة الجماعة وثقافتها وقوميتها.

الا اننا نجد، وعلى النقيض تماما ان اسرائيل التي تقدم نفسها واحة للديمقراطية في المنطقة التي يحكمها القانون والسلطة دائما له، تعيش وتحيا دون دستور وما قدم من تبريرات حول ذلك جاء ضبابيا ومنقوصا ، فقد ثار جدلا مطولا وعميقا ما بين التيارات السياسية في اسرائيل وخصوصا ما بين اليمين المتطرف المرتكز الى معتقدات تلمودية راسخة في ذهنيته ولا يمكن التنازل عنها و النقاش فيها، تهدف الى اقامة دولة يهودية حدودها ما بين الفرت والنيل ، وترسيخ مفهوم ومضمون يهودية الدولة، الامر الذي يجعل من إسرائيل دولة بلا حدود لا يقيم فيها الا اليهود وان وجود الاغيار على ارض الدولة هو وجود مؤقت الى زوال ، فهم من هذا المنطلق يرفضون فكرة وجود دستور يحدد ويرسم الحدود للدولة وفقا لمتطلبات القانون الدولي الذي لا يقبل تجاوز اي دولة لحدودها وان فعلت فعليها الانصياع لمتطلبات القانون والقرارات الاممية، التي تفرض على الدولة المتجاوزة ان تعود الى حدودها المعترف بها دوليا وهذا ما لا يريدونه لانه يناقض عقيدتهم وفكرهم التوسعي.

ويبدو ان عدم الاتفاق ما بين الجناح اليميني المتطرف والجناح الليبرالي اليساري، هو السمة الاساسية عند الإسرائيليين اليوم وفي الماضي ، الامر الذي يعيق تقنين قواعد دستورية ، ولعل هذا مرده الى الاسس التي قامت عليها الحركة الصهيونية واهمها عدم الاتفاق على ثلاثة امور اساسية مع الاختلاف على معانيها وتطبيقاتها وهي ( القومية اليهودية ، الدين اليهودي ، الارض اليهودية ) وان اي حسم دستوري في احداها قد يهدم الصهيونية بأكملها ، مع خطر نشوب حرب ثقافية دينية ما بين اليهود المتطرفين واليهود العلمانيين .

ولعل البعض في اسرائيل يرى ان قوانين الاساس التي تمت صياغتها واقرارها في عام 1992 تقوم مقام الدستور، وعلى العكس تماما نجد ان المناهضين لهذا الزعم يرون ان قوانين الاساس التي سنت عام 1992 على يد المدافعين عن حقوق الانسان تعد مثل ذر الرمال في العيون، كون الحكومات المتطرفة لاحقا سنت قوانين اساس اخرى تناقض ما جاء بها، وهذا يعني الافتئات على القواعد الدستورية ان جاز تسميتها بذلك، الامر الذي يهدم قاعدة حصينة من القواعد الدستورية وهي قاعدة السمو الدستوري، وهو يعني ان لا وجود لقواعد دستورية في اسرائيل.

وخلاصة القول ، انه ينظر الى فشل الكبينت والكنيست الاسرائيلي في تبني واقرار قواعد دستورية هو حاسم لهذا الخلاف ، ويبدو ان قرار عدم اتخاذ قرار في صلب العقلية الاسرائيلية التي تهدف الى اقامة دولة اسرائيل على ارض الميعاد حسب النصوص التلموذية من الفرات الى النيل، وترحيل سائر الاغيار عنها حسب معتقدهم غير ابهين بأي قانون او معاهدة ترسم الحدود بينهم وبين دول الجوار، فهم يعتقدون انهم من القوة التي تمكنهم من التوسع على حساب الاخر دون اي محددات دولية، الامر الذي يفسر عدم تبني قواعد دستورية تحول دون ذلك لأنها سوف تبين حدود الدولة وحقوق المواطنين التي يشكل العرب الفلسطينيين اصحاب الحقوق المنقوصة نسبة كبيرة ، وانصياعها لقواعد القانون الدولي والعهود والمواثيق الدولية الامر الذي لا يريدونه لأنه يشكل عائقا امام طموحاتهم التوسعية.