المؤشّر العربي 2024–2025: مرآة الشعوب… فهل تنظر الحكومات؟



في زمنٍ تتزايد فيه الفجوة بين الحاكم والمحكوم في العالم العربي، يبرز المؤشّر العربي 2024–2025 الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بوصفه إحدى أهم المحاولات العلمية الجادّة لالتقاط صوت المواطن العربي، بعيدًا عن الخطاب الرسمي أو التقديرات الأمنية أو الانطباعات النخبوية.

فهذا المؤشّر، الذي انطلق منذ عام 2011، لا يكتفي بقياس الرأي العام، بل يقدّم تشخيصًا عميقًا لأزمات الثقة، والاقتصاد، والديمقراطية، والهوية في المجتمعات العربية.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: ماذا يقول المؤشّر؟
بل: هل تصغي الحكومات العربية فعلًا لما يقوله؟

علمٌ ميداني في مقابل سياسات مرتجلة

يستمدّ المؤشّر العربي ثقله من منهجيته الصارمة؛ إذ شملت دورة 2024–2025 أكثر من 40 ألف مشارك في 15 دولة عربية، عبر مقابلات شخصية مباشرة، وعلى امتداد عام كامل، مع تحليل أكثر من 540 متغيرًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
هذه الأرقام لا تعكس حجم العمل فحسب، بل تؤكد أننا أمام قاعدة بيانات نادرة يمكن أن تكون، لو أُحسن استخدامها، مرجعًا أساسيًا لصنع السياسات العامة.

ومع ذلك، تبدو المفارقة واضحة:
في حين تستثمر دول كثيرة في العالم نتائج استطلاعات الرأي لتصحيح مساراتها، ما تزال قطاعات واسعة من الحكومات العربية تنظر إلى الرأي العام باعتباره خطرًا يجب ضبطه، لا مصدرًا يجب فهمه.

الاقتصاد أولًا… والرسالة أوضح من أي وقت مضى

تكشف نتائج المؤشّر أن الهمّ الاقتصادي بات العنوان الأبرز لحياة المواطن العربي. فالدخل في كثير من الدول لا يكفي لتغطية الحاجات الأساسية، بل إن القلق المعيشي يتقدّم على القضايا السياسية والأمنية عند تقييم الناس لأوضاع بلدانهم.

هذه النتيجة ليست تفصيلًا عابرًا؛ إنها إنذار مبكر.
فالضغوط الاقتصادية المستمرة، إذا اقترنت بضعف الثقة في قدرة الحكومات على المعالجة، قد تتحول إلى توترات اجتماعية عميقة، أو إلى لا مبالاة سياسية تهدد الاستقرار على المدى المتوسط.

وهنا تبرز أهمية المؤشّر للحكومات:
ليس بوصفه أداة نقد، بل كـ خريطة طريق توضح أين تتراكم الأزمات، وأين تتآكل الشرعية الاجتماعية.

الديمقراطية: تأييد شعبي… ومؤسسات مأزومة

من أكثر نتائج المؤشّر دلالة أن نحو 68٪ من المستطلعين ما زالوا يؤيدون النظام الديمقراطي، رغم الإحباطات والتجارب المتعثرة.
غير أن هذا التأييد لا ينعكس ثقةً بالمؤسسات؛ إذ تسجّل البرلمانات والمؤسسات التشريعية مستويات ثقة منخفضة مقارنة بالمؤسسات العسكرية أو الأمنية.

هذه المفارقة تكشف جوهر الأزمة السياسية العربية:
الشعوب تؤمن بالمبدأ، لكنها تشكّ في التطبيق.
وهي رسالة مباشرة للحكومات مفادها أن المشكلة ليست في "رفض الديمقراطية”، بل في تشويهها أو تفريغها من مضمونها.

الحروب والنزاعات: أثر يتجاوز الجغرافيا

لم تكن النزاعات في غزة وسوريا ولبنان مجرد ملفات سياسية في المؤشّر، بل ظهرت بوصفها تجربة إنسانية جماعية تؤثر في وعي العرب جميعًا: خوفًا، وإحباطًا، وتراجعًا في الإحساس بالأمان والمستقبل.

وهنا تتجلّى أهمية المؤشّر مرة أخرى؛ فهو لا يرصد فقط الرأي العام داخل الحدود الوطنية، بل يكشف عن وجدان عربي مشترك ما زال يتأثر بعمق بمآسي المنطقة، مهما حاولت السياسات الرسمية عزل المجتمعات عن بعضها.

بين الانتماء والقلق من التفكك

تُظهر النتائج أن الشعور بالانتماء العربي ما يزال حاضرًا، لكنه مهدَّد بتصاعد التوترات الداخلية، والانقسامات الاجتماعية، وتراجع الثقة بين المواطن والدولة.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم كونها مساحة للتعبير، باتت تُنظر إليها على أنها ساحة للفوضى والمعلومات المضللة، لا بديلًا صحيًا عن الإعلام المهني أو الحوار العام المنظّم.

هل تستفيد الحكومات العربية؟

هنا لبّ المقال.
فالمؤشّر العربي ليس تقريرًا أكاديميًا للنشر فقط، بل أداة سياسية بامتياز — إن أرادت الحكومات التعامل معه كذلك.
غير أن التجربة تشير إلى أن كثيرًا من الأنظمة العربية إمّا:
•تتجاهل مثل هذه الدراسات،
•أو تنتقي منها ما يخدم خطابها،
•أو تتعامل معها بريبة بدل توظيفها في الإصلاح.

والنتيجة: قرارات تُتخذ دون فهم دقيق لأولويات الناس، وسياسات عامة تُفاجأ بردود فعل الشارع بدل أن تستبقها.

خلاصة القول

يؤكد المؤشّر العربي 2024–2025 أنه من أهم أدوات قياس الرأي العام في العالم العربي اليوم، لا من حيث الحجم فحسب، بل من حيث العمق والدقة وتنوّع الموضوعات.
وهو يضع أمام الحكومات العربية مرآة صادقة:
مرآة تُظهر القلق الاقتصادي، والتوق للديمقراطية، وأزمات الثقة، والآثار العميقة للصراعات.

يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تجرؤ الحكومات على النظر في هذه المرآة… أم تفضّل كسرها؟