حين تتحول الانتخابات الإسرائيلية إلى قنبلة موقوتة لحرب أهلية!

 كتب - خارج النص - حلمي الأسمر
لم تعد الانتخابات في إسرائيل مجرد استحقاق ديمقراطي دوري لتداول السلطة بين أحزاب متنافسة، بل تحولت إلى لحظة وجودية مكثفة، تُختبر فيها ليس فقط شعبية هذا الزعيم أو ذاك، وإنما قابلية الدولة نفسها للاستمرار ككيان سياسي موحد. فكل يوم يمرّ يقرب الكيان من مفترق تاريخي غير مسبوق، حيث تتقاطع ثلاث أزمات كبرى في لحظة واحدة: أزمة شرعية سياسية، أزمة بنيوية دستورية، وأزمة هوية عميقة لم تعد قابلة للإدارة بالأدوات التقليدية.

نظرياً، الموعد القانوني الطبيعي للانتخابات العامة القادمة هو خريف 2026، أي بعد أربع سنوات من انتخابات نوفمبر 2022. لكن عملياً، إسرائيل لم تعد تعيش في زمن الاستحقاقات الدستورية المستقرة، بل في زمن الانتخابات المعلّقة. فمنذ 2019 دخل النظام السياسي في دوّامة غير مسبوقة من الاقتراع المتكرر: خمس انتخابات خلال أقل من أربع سنوات، من دون قدرة حقيقية على إنتاج استقرار طويل الأمد. أي أننا أمام دولة فقدت انتظامها الزمني السياسي، ولم تعد تعرف متى تنتخب، ولا ماذا سيحدث بعد الانتخابات.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: الانتخابات القادمة لا تأتي في سياق طبيعي، بل في زمن ما بعد الصدمة الجماعية. بعد السابع من أكتوبر، بعد طوفان الأقصى؛ بعد أطول حرب في تاريخ الكيان، بعد انهيار صورة الردع، بعد أزمة ثقة غير مسبوقة بالمؤسسة العسكرية، وبعد انقسام داخلي عمودي حول هوية الدولة نفسها. نحن لا نتحدث عن انتخابات في "دولة" مستقرة تبحث عن تغيير حكومة، بل عن انتخابات في دولة تهتز بنيتها العميقة وتشكك في شرعية مؤسساتها.

الخطير أكثر أن الحديث عن "الحرب الأهلية” لم يعد تحليلاً صحفياً هامشياً، بل أصبح جزءاً من الخطاب العلني للنخبة الحاكمة نفسها. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو صرّح أكثر من مرة، خلال أزمة الانقلاب القضائي، بأن إسرائيل "تقف على شفا حرب أهلية”. هذا التصريح، في الظاهر، تحذير، لكنه في العمق ابتزاز سياسي: رسالة إلى الداخل مفادها أن إسقاطه يعني الفوضى، ورسالة إلى الخارج بأن بقاءه ضرورة للاستقرار. أي أن الحرب الأهلية هنا لا تُدان، بل تُستخدم كورقة ردع.

في المقابل، جاء تحذير إيهود باراك رئيس الوزراء الأسبق؛ وربما آخر "حكماء" الصهاينة ؛ من موقع نقيض تماماً، حين قال صراحة إن "إسرائيل تتجه فعلياً نحو حرب أهلية إذا استمر الانقلاب على القضاء”. باراك لم يستخدم المصطلح خطابياً، بل تحليلياً: تفكيك المحكمة العليا يعني تفكيك العقد الاجتماعي الذي قام عليه الكيان منذ تأسيسه، ومعه تنهار فكرة الدولة بوصفها إطاراً جامعاً.

الأكثر دلالة أن رئيس "الدولة" نفسه، إسحاق هرتسوغ، خرج عن حياده الرمزي ليحذر من "أخطر أزمة داخلية منذ قيام إسرائيل”، ومن "خطر حقيقي لانزلاق المجتمع نحو العنف الداخلي”. وحين يصل خطاب الحرب الأهلية إلى رأس الهرم الرمزي للدولة، فهذا يعني أننا أمام تشخيص رسمي لحالة تفكك، لا مجرد اختلاف سياسي.

لكن الأخطر من السياسيين هم العسكريون والأمنيون. قادة سابقون في الجيش والموساد والشاباك تحدثوا علناً عن تسييس المؤسسة الأمنية، وعن تصدع الانضباط الداخلي، وعن خطر انقسام الجيش نفسه. في علم السياسة، هذه هي المنطقة الحمراء المطلقة: حين يبدأ الجيش، بوصفه آخر مؤسسات التماسك، بفقدان حياده الذهني، تدخل الدولة فعلياً مرحلة ما قبل الانهيار.

الانقسام الإسرائيلي لم يعد سياسياً بين يمين ويسار، بل وجودياً بين نموذجين متناقضين للدولة: إسرائيل العلمانية الليبرالية التي ترى نفسها امتداداً للغرب الديمقراطي، مقابل إسرائيل الدينية التلمودية القومية التي ترى الدولة أداة لتحقيق مشروع توراتي يتجاوز مفاهيم الديمقراطية الحديثة. هذا النوع من الانقسام هو أخطر أشكال الانقسام في علم السياسة، لأنه لا يقبل التسويات المرحلية، بل يتغذى على منطق الصراع الصفري: إما نحن أو هم.

في هذا السياق، تصبح الانتخابات ساحة مواجهة لا آلية حل. فحين يشكك معسكر كامل سلفاً في شرعية القضاء، ويعلن عدم ثقته بالمستشارة القضائية، ويصف الإعلام المعارض بأنه "عدو داخلي”، فإن نتائج الانتخابات، مهما كانت، تفقد قدرتها على إنتاج إجماع جديد. وهنا تبدأ الدول بالدخول في ما يسميه علماء السياسة "مرحلة القابلية للحرب الأهلية”، أي المرحلة التي لا تكون فيها الحرب واقعة بعد، لكنها تصبح ممكنة بنيوياً لأول مرة.

المفارقة أن الخطر لا يكمن فقط في يوم الانتخابات نفسه، بل في كل ما يسبقه. فإسرائيل تعيش اليوم حالة خوف من الانتخابات لا حالة انتظار لها. إذا أظهرت الاستطلاعات أن نتنياهو خاسر، فهناك ثلاثة سيناريوهات واقعية: تقديم الانتخابات مبكراً لاستباق الانهيار، تأجيلها بذريعة الحرب والطوارئ، أو تفجير المشهد كله عبر أزمة أمنية كبرى أو حرب إقليمية تعيد خلط الأوراق. أي أن السؤال الحقيقي لم يعد: متى موعد الانتخابات؟ بل: هل ستُجرى أصلاً؟ وتحت أي دولة؟

السوابق التاريخية واضحة: الولايات المتحدة لم تنزلق إلى الحرب الأهلية عام 1860 بسبب ضعفها العسكري، بل بسبب انهيار التوافق على معنى الاتحاد نفسه. يوغوسلافيا لم تتفكك لأنها فقيرة أو مهزومة، بل لأنها فشلت في الحفاظ على تعريف مشترك للدولة. لبنان 1975 لم ينفجر لأنه بلا مؤسسات، بل لأن هذه المؤسسات فقدت شرعيتها لدى قطاعات واسعة من المجتمع. إسرائيل اليوم تقف عند النقطة ذاتها تقريباً: دولة تفقد الإجماع على تعريف نفسها.

لكن إسرائيل ليست دولة عادية في الإقليم. إنها قاعدة عسكرية متقدمة، وعقدة توازنات أمنية، وذراع استخبارية غربية. أي اضطراب داخلي فيها لا يبقى داخلياً أبداً. على المستوى الفلسطيني، تفكك إسرائيل داخلياً يعني ارتباك القيادة العسكرية، تصدع الجبهة الداخلية، وانهيار صورة الردع. أي أن الكيان يواجه للمرة الأولى احتمال خوض صراع خارجي وجبهة داخلية متفجرة في الوقت نفسه، وهو أخطر سيناريو في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

على مستوى الدول العربية، خصوصاً المطبّعة، يتحول الكيان من "شريك استقرار” إلى "مصدر عدوى فوضوية”. دولة مأزومة داخلياً لا يمكن الاعتماد عليها كركيزة أمنية، ولا كشريك استخباري مستقر. أي أن إسرائيل تبدأ لأول مرة بالتحول من أصل استراتيجي إلى عبء جيوسياسي محتمل.

أما الولايات المتحدة، الراعية الكبرى للمشروع الصهيوني، فلا تنظر إلى إسرائيل كقضية أخلاقية، بل كأصل استراتيجي. قاعدة متقدمة، مخفر جيوسياسي، ذراع استخبارية في قلب الشرق الأوسط. تفكك إسرائيل داخلياً يعني خسارة أهم نقطة ارتكاز إقليمية، وفتح فراغ أمني في قلب النظام العالمي، وصعود قوى منافسة مثل إيران وروسيا والصين. من منظور واشنطن، الحرب الأهلية في إسرائيل ليست مشكلة إسرائيلية، بل كارثة استراتيجية عالمية.

لهذا السبب تحديداً، إذا اقترب الكيان فعلياً من الانفجار الداخلي، فلن تسأل واشنطن إن كان نتنياهو ديمقراطياً أو فاسداً، بل إن كان ما زال قادراً على ضبط الدولة. وإذا فشل، ستنتقل من دعم الأشخاص إلى دعم المؤسسات، ثم إلى دعم الجيش، ثم – في أسوأ الحالات – إلى إدارة الأزمة مباشرة من الخلف. أي أن الولايات المتحدة لن تسمح بسقوط إسرائيل (إن استطاعت) ، لكنها قد تسمح بسقوط نتنياهو بلا أي تردد.
إسرائيل اليوم لا تقف فقط على حافة حرب أهلية، بل على حافة فقدان وظيفتها الجيوسياسية الأساسية. من دولة تؤدي دور "الشرطي الإقليمي”، إلى دولة تحتاج من يضبطها. والمفارقة التاريخية القاسية أن المشروع الصهيوني الذي قام على فكرة "دولة لليهود تحمي نفسها بنفسها” يقترب لأول مرة من لحظة يحتاج فيها إلى من يحميه من نفسه.

وهذه، في علم التاريخ السياسي، ليست مجرد أزمة حكم، بل العلامة الكلاسيكية لبداية الأفول الاستراتيجي للدول.
الدول لا تسقط دائماً بالغزو، كثيراً ما تسقط حين تفشل في الاتفاق على ذاتها.
وإسرائيل اليوم، ولأول مرة منذ تأسيسها، لم تعد متفقة حتى على تعريف نفسها… ولا حتى على موعد اختبار هذا التعريف في صناديق الاقتراع.