د. بني هاني يكتب عن البيطرة الاقتصادية #عاجل


كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني - 

شكراً لصديقي العزيز سمايلي سايلنت (Smily Silent)، الذي أحبه كحبي لإخوتي، وهو مبتدع نظرية البيطرة الاقتصادية (Theory of Economic Quackery )، التي حصدت جوائز علمية (أكاديمية) رفيعة. فقال لي ذات يوم: لا يُدار الاقتصاد، في أوستنشيا، بعقلٍ مؤسسي ولا برؤيةٍ إنتاجية، بل بما يمكن تسميته صراحةً "البيطرة الاقتصادية". فهناك، يتصدّر المشهد من لا خبرة له، ولا معرفة، ولا اطلاع على أبجديات المعرفة الاقتصادية. ويُفتي في الشأن الاقتصادي من لم يقرأ موازنة، ولم يُحلل مؤشراً، ولم يفهم معنى دورة اقتصادية أو إنتاجية حدّية. فتتزاحم الأصوات العالية، ويتوارى أهل الاختصاص، فيغدو القرار الاقتصادي رهينة الجهل والغرور والتكلف.

فتكون النتيجة اقتصاد مُنهك، يترنح تحت ضربات فكرية مرتجلة، حيث البطالة ترتفع حتى صارت رقماً يومياً في نشرات الأخبار، والجوع يتسلل إلى بيوتٍ كانت بالأمس مكتفية. والجامعات في أوستنشيا تُخرج آلافاً من حملة الشهادات كل عام، لكن السوق لا يملك القدرة، ولا الخطة، لاستيعابهم، ولا يلمس الناس سوى شهادات معلّقة على الجدران، وطوابير تنتظر على أبواب الوظائف، وفجوةٌ تتسع بين التعليم وسوق العمل، ولا أحد يسأل أين الخلل البنيوي؟

وبدلاً من معالجة جذور المشكلة، الكامنة في الإنتاج الضعيف، والاستثمار الخامل، والبيئة الطاردة للأعمال، تنشغل البيطرة الاقتصادية بقضايا شكلية. وبينما تتفاقم ظواهر المخدرات والتدخين، ويتعمق الفقر في أطراف المدينة، ويزداد الضغط على الخدمات العامة، يُطرح مشروع طموح: زيادة عدد أيام العطل الأسبوعية إلى ثلاثة. وكأن الأزمة أزمة فراغ، لا أزمة إنتاج.

وفي وقت ترتفع فيه الأسعار بوتيرة تفوق الزيادة في الدخل، وتتناقص القدرة الشرائية، وتتهالك البنية التحتية من طرقٍ مكسّرة وشبكاتٍ مهترئة، يُطلب من الاقتصاد أن يعمل أقل ليزدهر أكثر. منطقٌ معكوس؛ كأن السفينة تغرق، فيقرر القبطان تقليل عدد المجاديف بحجة الراحة. الإنتاجية تنخفض، والقطاع الخاص يئن، والاستثمار يتردد، بينما الخطاب الرسمي يتحدث عن تحسين جودة الحياة.

لكن جودة الحياة لا تُصنع بالشعارات، بل بالعمل المنتج، وبسياسات مبنية على بيانات، وبقرارات تُخضع للمساءلة. فالاقتصاد ليس ساحة استعراض، ولا منصة خطابة. هو علمٌ يتطلب فهماً عميقاً للموارد، للحوافز، لسوق العمل، وللصلة العضوية بين التعليم والتشغيل. وحين يُختزل في آراء مرتجلة، يتحول إلى ضحية.

أوستنشيا ليست مدينة فقيرة بالموارد، بل فقيرة بالإدارة الرشيدة. مشكلتها ليست في عدد أيام العمل، بل في نوعية العمل، في كفاءة المؤسسات، في غياب التخطيط بعيد المدى. فحين يُترك القرار الاقتصادي في يد من يتعامل معه كمسألة مزاجية، يصبح التراجع نتيجة طبيعية لا مفاجأة.

البيطرة الاقتصادية في أوستنشيا ليست مجرد توصيف ساخر؛ إنها حالة ذهنية. حالة تظن أن الحلول السطحية تكفي، وأن رفع الشعارات يُغني عن إصلاح الهياكل. لكن الاقتصاد، بطبيعته الصارمة، لا يجامل. إما أن تُدار موارده بعقلٍ منضبط ورؤية استراتيجية، أو يدفع المجتمع الثمن بطالةً وفقراً وتراجعاً عاماً.

وفي النهاية، قد تتعدد الخطب، وتزداد العطل، وتطول الاجتماعات؛ لكن ما لم يُستبدل الجهل بالكفاءة، والضجيج بالتحليل، والتكلف بالمسؤولية، ستبقى أوستنشيا مثالاً على مدينةٍ اختارت أن تعالج أمراضها الاقتصادية بوصفات بيطرية، فازدادت العلة عمقاً.

أهلاً بكم في أوستنشيا، وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.