الصفدي أمام مجلس الأمن: ضمّ الضفة الغربية يقتل فرص السلام ويهدد استقرار المنطقة



شارك نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي مساء أمس بتوقيت نيويورك في جلسة الإحاطة الشهرية لمجلس الأمن حول الأوضاع في الشرق الأوسط بما في ذلك القضية الفلسطينية، والتي دعت إليها وزيرة الخارجية والتنمية البريطانية إيفيت كوبر.

وألقى الصفدي في الجلسة كلمة جاء فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم
أهنئكِ معالي الرئيسة على تولى المملكة المتحدة رئاسة المجلس لهذا الشهر، وأشكركِ على الدعوة لهذه الجلسة.

السيدات والسادة،

توقفت المجزرة في غزة. لكن معاناة أهلها لم تنتهِ. ما تزال بيوتها مدمرة، ومدارسها ركامًا، وأطفالها جوعى، وجرحاها ومرضاها من دون علاج.
أوقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحرب بعد أكثر من عامين من القتل والتدمير والتجويع. ووضعت خطته خريطة طريق لإعادة البناء وتثبيت الاستقرار والتقدم نحو تحقيق السلام. تنفيذ هذه الخطة بكل بنودها هو الطريق لإنهاء هذه المعاناة.
يجب أن تتوقف خروقات وقف إطلاق النار -أكثر من 1500 خرق إسرائيلي لوقف النار منذ إعلان التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، وأكثر من 600 فلسطيني ارتقوا خلال هذه الفترة. يجب أن تتدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة من دون عوائق، وأن تنطلق عملية إعادة الإعمار، فيُعاد بناء غزة، التي يجب أن تبقى مرتبطة بالضفة الغربية، وبما فيها القدس الشرقية المحتلة، لتتجسد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، على كلّ الأرض الفلسطينية المحتلة، وتعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل، على أساس حل الدولتين، ووفق قرارات الشرعية الدولية.

السيدات والسادة،
يدعم مجلس الأمن الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط بدعم تنفيذ خطة الرئيس ترمب في غزة وقرار مجلس الأمن 2803. ويحمي المجتمع الدولي حق كل شعوب منطقتنا في العيش بأمن وسلام بمنع إسرائيل من الاستمرار في ضم الضفة الغربية المحتلة.
المجتمع الدولي كله يرفض ضم الضفة الغربية. الرئيس دونالد ترمب أكّد أنه لن يسمح بضم الضفة الغربية. لكن الحكومة الإسرائيلية سرّعت إجراءاتها اللاشرعية التي تجعل من ضم الضفة الغربية أمرًا واقعًا يقتل كل فرص تحقيق السلام.
الحقائق واضحة. والإجراءات الإسرائيلية اللاشرعية لا يمكن إخفاؤها.
فللمرة الأولى منذ احتلال الضفة الغربية في العام 1967، صادقت الحكومة الإسرائيلية على مشروع قرار يتيح لها الاستيلاء على أراضٍ فلسطينية وتسجيلها تحت مسمى "أراضي دولة"، ما يمهد لضم أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية في المنطقة (ج).
وفي قرارات لا شرعية أخرى، سمحت الحكومة الإسرائيلية للمستوطنين بشراء أراضٍ في الضفة الغربية المحتلة، وأعطت نفسها صلاحيات الهدم والرقابة في مناطق (أ) و(ب) الخاضعة إداريًّا للسلطة الوطنية الفلسطينية، وسنّت تشريعات تسرّع مصادرة أملاك الفلسطينيين في القدس الشرقية.
وقبل ذلك، صادقت الحكومة الإسرائيلية على قرار إنشاء 54 مستوطنة جديدة، وأنشأت ما لا يقل عن 86 بؤرة استيطانية، في أكبر عملية توسّع استيطاني منذ أن بدأت الأمم المتحدة برصد هذا الضم الممنهج للأرض الفلسطينية المحتلة.
في العام الماضي وحده، أقرّت الحكومة الإسرائيلية مخططات بناء 27941 وحدة سكنية في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، لتضاعف بذلك حجم الاستيطان الأعلى المسجل في العام 2023، حسب المنظمات الحقوقية الإسرائيلية. واستأنفت إسرائيل بناء 3400 وحدة سكنية استيطانية في المنطقة (E1) شرق القدس، بهدف فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها؛ ناهيك عن تهجير أكثر من 37 ألف فلسطيني من بيوتهم في الضفة الغربية، وتدمير أكثر من 5 آلاف منزل ومنشأة في الأرض الفلسطينية المحتلة؛ ناهيك عن التحريض اليومي، الذي كان آخره ما قاله وزير متطرف في الحكومة الإسرائيلية بأنه يريد تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه.
ولم تسلم المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة من الإجراءات الإسرائيلية التصعيدية اللاشرعية.
الانتهاكات اليومية للوضع القانوني والتاريخي القائم في الأماكن المقدسة تتصاعد يوميًّا. حوالي 65 ألف اقتحام للمسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف خلال العام 2025، وسط محاولات مستمرة لفرض التقسيم الزماني والمكاني فيه، وتقييد حرية العبادة للمسلمين، حتى مع حلول شهر رمضان المبارك.
وتتصاعد الانتهاكات ضد مسيحيي الأرض المحتلة ومقدساتهم أيضًا. يعتدي المتطرفون الإسرائيليون على رجال الدين المسيحيين وعلى المصلين، وتُقيد الإجراءات الإسرائيلية وصولهم إلى الكنائس. وفي خطوة تشكل خرقًا غير مسبوق للوضع التاريخي والقانوني للمقدسات، فرضت الحكومة الإسرائيلية ضرائب على أملاك الكنائس، ما يفتح الباب أمام مصادرة ممتلكاتها وتجميد حساباتها البنكية.

المجلس الكريم،
تشكل هذه الإجراءات الإسرائيلية، التي شملت السطو على مقرات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وتدميرها ومنع الوكالة من تنفيذ تكليفها الأممي، خرقًا فاضحًا للقانون الدولي، ولقرار مجلس الأمن 2334 للعام 2016، وللرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في العام 2024، الذي أكّد لاشرعية إجراءات الاحتلال وبطلان ضمّ الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ضم الضفة الغربية يعني قتل كل فرص تحقيق السلام العادل. هذا خطر يجب إنهاؤه فورًا.

السيدات والسادة،
يجتمع مجلس السلام برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب غدًا خطوة على طريق إعادة الاستقرار في غزة. لكن في الوقت الذي نعمل فيه جميعًا على إنهاء الكارثة في غزة، لا يمكن السماح بتفجر كارثة أخرى، هي المآل الحتمي لإجراءات إسرائيل ضم الضفة الغربية المحتلة وتقويض حل الدولتين.
منع هذه الكارثة يتطلب فعلاً دوليًّا فاعلاً وفوريًّا ومؤثرًا الآن. يتطلب خطوات عملانية مؤثرة لحماية حل الدولتين، الذي تُجمع أكثرية دول العالم عليه سبيلاً وحيدًا لتحقيق السلام العادل.
وما هو بديل حل الدولتين؟ حال الدولة الواحدة، حيث يعيش أكثر من خمسة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية المحتلة وغزة تحت الاحتلال؟ هل سيحصلون على حقوقهم الكاملة، مواطنين بحقوق إنسانية وسياسية كاملة؟ إن لم يكن هذه هي الحال فالبديل هو أبرثايد ممنهج، وهذا لن يحقق السلام، ولن يحقق الأمن، ولن يحقق الاستقرار لا لإسرائيل ولا للفلسطينيين ولا للمنطقة كلها.
نحن نريد السلام العادل. ونعمل من أجل السلام العادل، الذي يلبي حق الشعب الفلسطيني في الحرية والدولة على أرضه، ويضمن لإسرائيل الأمن وعلاقات طبيعية مع كل الدول العربية.
لن يتحقق السلام بتكريس الاحتلال. لن يتحقق السلام بضم الضفة الغربية والإمعان في قهر الشعب الفلسطيني وحرمانه من حقه في الحرية والكرامة.
السلام هدف مشترك، وحق لكل شعوب المنطقة. طريقه واضحة. أسسه راسخة في القانون الدولي والقيم الإنسانية.
ضم الضفة الغربية هو إعلان وأد لكل فرص السلام، ورهن لمستقبل المنطقة كلها للمزيد من الحروب والقتل والدمار.
فلنواجه الحقيقة بصراحة وجرأة وموضوعية، ولنقرّ بأنّ السلام الذي نريده جميعًا لن يتحقق إذا ما استمرت الحكومة الإسرائيلية في نكران حق الشعب الفلسطيني في الوجود.
فلنعترف كلنا بإنسانية الآخر، وبأن للجميع الحق في العيش بأمان وكرامة، ولنصنع المستقبل الذي يضمن السلام والحياة الكريمة للجميع.

وشكرًا لكم.

وعلى هامش الجلسة، التقى الصفدي عددًا من نظرائه لبحث تطورات الأوضاع في المنطقة وسبل تعزيز الجهود الدولية لتحقيق التهدئة والاستقرار.