لبنان بين الصواريخ والطاولة: كيف يفاوض تحت النار ومن يملك الكلمة العليا؟


كتب زياد فرحان المجالي - 

في لبنان اليوم، لا تأتي السياسة بعد الميدان، بل تخرج من قلبه. لا هدنة كاملة تسبق الكلام، ولا جبهة أُغلقت حتى تبدأ التسويات بهدوء. ما يحدث هو العكس تمامًا: تفاوض يتشكل تحت القصف، وسياسة تولد من داخل الاشتباك، وجنوب لا يزال يشتعل فيما تُفتح، في الوقت نفسه، أبواب البحث عن مخرج. وهذه وحدها كافية لتفسير ثقل اللحظة اللبنانية الراهنة، لأن البلد لا يذهب إلى الطاولة من موقع ما بعد الحرب، بل من قلب حرب لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.

فالمشهد الممتد من بنت جبيل إلى الخيام وشمع والقطاع الأوسط لا يوحي بجبهة دخلت طور الاستقرار، بل بجبهة مفتوحة على إطلاقات صاروخية، وقصف مدفعي، وغارات متواصلة، واشتباكات مباشرة، وصفارات إنذار تعبر إلى الجليل الأعلى. وهذا ليس تفصيلًا ميدانيًا يُضاف إلى الخبر، بل هو جوهر القراءة السياسية كلها. لأن التفاوض هنا لا يأتي نتيجة انطفاء النار، بل نتيجة استمرارها. ولبنان لا يحاول التقاط لحظة هدوء نادرة لبناء مسار سياسي، بل يحاول أن ينتزع هذا المسار من داخل النار نفسها.

من هذه الزاوية، تبدو إسرائيل بعيدة عن صورة الجبهة المحسومة التي يمكن بعدها الانتقال إلى مرحلة فرض الشروط المريحة. فما دام الجنوب ما يزال ينتج المواجهات، وما دامت محاولات التقدم والضغط تصطدم بواقع اشتباكي مستمر، فإن أي حديث عن ترتيبات نهائية أو إعادة صياغة الجنوب بشروط إسرائيلية خالصة يبقى مصطدمًا بحقيقة أساسية: الميدان لم يُقفل بعد، ولم يتحول إلى مساحة صامتة تسمح للسياسة وحدها بأن تتكلم.

وفي المقابل، لا يبدو الداخل اللبناني واقعًا في تناقض كامل بين الدولة وحزب الله، بقدر ما يبدو أمام تقاطع أدوار شديد الحساسية. فالدولة اللبنانية تمضي في المسار التفاوضي باعتباره الطريق الرسمي لإنهاء التصعيد ووقف النزيف، مع حديث عن وفد تفاوضي ورعاية وضمانة أميركية وصيغة داخلية تحاول المرور فوق التعقيدات الطائفية المعتادة. لكن حزب الله، في المقابل، لا يتعامل مع التفاوض كبديل عن النار، بل كخط موازٍ لها. ولذلك لا يتوقف الميدان، بل يستمر بوصفه عنصر ضغط ورسالة سياسية في آن واحد.

وهنا تحديدًا تتشكل العقدة اللبنانية الأهم. فالدولة تستخدم السياسة لمحاولة وقف النار، بينما يستخدم حزب الله النار لمنع أن تُكتب السياسة من موقع اختلال كامل في التوازن. والمعنى العملي لذلك أن الجنوب لم يعد مجرد ساحة قتال، بل أصبح أيضًا ساحة تحسين شروط قبل الجلوس إلى الطاولة. فالمسألة لم تعد فقط من يطلق النار ومن يرد، بل من يملك حق تعريف اللحظة نفسها: هل هي لحظة تهدئة، أم لحظة تثبيت أوراق قوة قبل التهدئة؟

هذه القراءة تفسر لماذا لا يمكن فهم العمليات العسكرية الجارية فقط بوصفها ردًا ميدانيًا مباشرًا، بل أيضًا بوصفها جزءًا من معركة أوسع على شكل التفاوض المقبل. فحزب الله لا يريد للطاولة أن تُبنى على رواية إسرائيلية صافية، ولا أن تُترجم سياسيًا وكأن الجنوب دخلها من موقع انكسار كامل. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع الدولة اللبنانية أن تتجاهل أن استمرار النار بهذا المستوى يرفع الكلفة إلى حدود يصعب احتمالها، بشريًا واقتصاديًا وسياسيًا. وهكذا يصبح لبنان كأنه يتحرك في مسارين متوازيين لا يلغي أحدهما الآخر: مسار رسمي يريد وقف النزف، ومسار ميداني يريد منع تحويل هذا الوقف إلى مكسب استراتيجي مجاني للخصم.

وهنا أيضًا تدخل الكلفة البشرية بوصفها عنصرًا ضاغطًا لا مجرد خلفية إنسانية للمشهد. فالشهداء والجرحى والدمار لم يعودوا أرقامًا على هامش السياسة، بل أصبحوا جزءًا من منطق الاستعجال اللبناني نحو التفاوض. الدولة تعرف أن كل يوم إضافي من النار يراكم فاتورة أثقل على بلد منهك أصلًا، ويجعل الحاجة إلى مخرج سياسي أكثر إلحاحًا. لكن هذه الضرورة الرسمية لا تُلغي في المقابل حقيقة أن حزب الله يريد أن يصل هذا المخرج من دون أن يبدو وكأنه وُلد من فراغ ميداني أو من تسليم كامل بشروط الخصم.

لهذا، يبدو السؤال اللبناني الحقيقي اليوم أعمق من مجرد: هل تبدأ المفاوضات أم لا؟ السؤال هو: بأي ميزان ستبدأ، ومن سيدخل بها فعليًا؟ هل تدخلها الدولة وحدها بصفتها الممثل الرسمي؟ أم تدخلها أيضًا وقائع الجنوب بما حملته من صمود، واستنزاف، ونار متبادلة، وضغط متراكم؟ وهل تكون الكلمة العليا في تعريف الشروط للسياسة الرسمية وحدها، أم للميدان الذي يفرض نفسه كل يوم بوصفه شريكًا في رسم حدود الممكن؟

هكذا فقط يُقرأ لبنان الآن. لا من موقع حسم كامل، ولا من موقع انهيار كامل، بل من موقع اشتباك مفتوح تتداخل فيه لغة الدولة مع لغة المقاومة، وحسابات التهدئة مع ضرورات الردع، وضغوط الخارج مع نزف الداخل. ولذلك فإن الجنوب لا ينتج الحرب وحدها، بل ينتج أيضًا شكل السياسة التي ستليها. وبين الطاولة والصواريخ، لا يبدو أن لبنان يسأل فقط متى يبدأ التفاوض، بل يسأل سؤالًا أكثر قسوة وعمقًا: من يملك، في النهاية، حق الكلام باسم النار حين تجلس إلى الطاولة؟