بعد 42 يومًا من النار: كيف سقط رهان الحسم وولدت مفاوضات الإكراه؟

كتب - زياد فرحان المجالي

بعد اثنين وأربعين يومًا من متابعة الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران، بكل ما تخللها من ضربات، ورسائل نارية، وتهديدات متبادلة، ومحاولات لفتح قنوات التفاوض تحت الضغط، تبدو الخلاصة الأكثر تماسكًا حتى الآن أن هذه الحرب لم تنجح في إنتاج الحسم الذي بُنيت عليه لحظتها الأولى، بل دفعت الأطراف، تدريجيًا، إلى مرحلة جديدة عنوانها الأوضح: الإكراه التفاوضي.

في بدايات الحرب، كان الرهان واضحًا. ضربة أولى كثيفة، سريعة، مركزة، تصيب مركز الثقل الإيراني، وتفتح الباب أمام انهيار في تماسك القرار، أو على الأقل أمام ارتباك استراتيجي طويل يسمح بإعادة تشكيل موازين المنطقة. هذه الفرضية ليست جديدة في التفكير العسكري الإسرائيلي والأمريكي، إذ تقوم على أن التفوق الناري، إذا استُخدم بحدة كافية منذ اللحظة الأولى، يمكن أن يختصر الزمن، ويحوّل الضغط العسكري إلى نتيجة سياسية شبه فورية. لكن مجريات الأسابيع اللاحقة كشفت أن الواقع كان أكثر تعقيدًا وأشد مقاومة لهذا التصور.

إيران لم تتصرف كدولة تتهاوى تحت وقع الصدمة الأولى. امتصّت الضربة، أعادت ترتيب أدواتها، ونجحت في نقل الصراع من معادلة الضربة والرد إلى معادلة أكثر اتساعًا، حيث تداخل العسكري مع الاقتصادي، والميداني مع الإقليمي، والرسائل النارية مع المساومات السياسية. وبهذا المعنى، لم تبقَ الحرب مواجهة تقليدية بين قوتين تتبادلان الضربات، بل تحولت إلى حرب هجينة تتوزع على أكثر من مستوى في وقت واحد.

وهنا تظهر أولى الحقائق الكبرى التي أفرزتها هذه الحرب: التفوق العسكري لا يساوي بالضرورة حسمًا سياسيًا. لقد امتلكت إسرائيل قدرة نارية كبيرة، وغطاءً أمريكيًا مباشرًا، وأدوات تدمير فعالة، لكنها لم تستطع أن تترجم هذا التفوق إلى نهاية واضحة. بل إن ما حدث هو العكس في بعض الجوانب؛ إذ أتاح فشل الحسم السريع لإيران أن تدخل طور إعادة التموضع، وأن تحوّل الضغط العسكري عليها إلى استنزاف سياسي وأمني لخصومها.

ولعل أحد أهم مظاهر هذا التحول ظهر في الداخل الإسرائيلي نفسه. فمع أن حجم الاختراقات الصاروخية لم يكن كافيًا لتغيير ميزان القوة العسكري في ذاته، فإنه كان كافيًا لإضعاف صورة الحماية المطلقة، ولإثارة سؤال عميق داخل الوعي الإسرائيلي: إذا كانت هذه المنظومات قادرة على اعتراض معظم التهديدات، فلماذا يكفي القليل من الاختراقات لزرع كل هذا القلق؟ هنا بدأ التآكل الصامت في بنية الردع النفسية، وهي بنية لا تقل أهمية عن الحسابات الميدانية المباشرة.

لكن النقلة الأهم في هذه الحرب لم تكن في عدد الصواريخ أو حجم الخسائر المباشرة فحسب، بل في انتقال مركز الثقل من الميدان العسكري إلى شرايين الاقتصاد العالمي. فعندما دخل مضيق هرمز إلى قلب المشهد، لم يعد الصراع مجرد مواجهة على أهداف ومواقع، بل أصبح صراعًا على تدفق الطاقة، وعلى أمن الملاحة، وعلى استقرار الأسواق. وفي هذه اللحظة بالتحديد، اتسعت كلفة الحرب إلى ما هو أبعد من أطرافها المباشرين.

هذا التحول فرض على واشنطن وتل أبيب إعادة النظر في معنى الاستمرار. فالحرب التي لا تُنتج حسمًا، وتبدأ في الوقت نفسه بإرباك الأسواق وإثارة المخاوف بشأن الطاقة والممرات البحرية، تتحول من مشروع انتصار سريع إلى عبء استراتيجي مفتوح. ومن هنا برزت ملامح الإكراه التفاوضي. لم يعد الهدف المعلن سحق الخصم بالكامل، بل توظيف الضغط العسكري والاقتصادي من أجل دفعه إلى ترتيبات مؤقتة، أو تفاهمات مرحلية، أو مذكرات تفاهم تمنع الانفجار الشامل من دون أن تنهي جذوره.

وفي هذا السياق، لم تعد ملفات مثل الأموال المجمدة، ومستقبل اليورانيوم، وحرية الملاحة، وترتيبات الحصار، مسائل فنية معزولة، بل أصبحت عناوين المقايضة الكبرى في هذه المرحلة. كل طرف يحاول أن يدخل إلى أي تفاوض بما راكمه من أوراق ضغط. وكل طرف يدرك، في الوقت نفسه، أن أي تنازل مجاني قد يُقرأ بوصفه اعترافًا بالفشل أو بداية انحدار في ميزان الردع.
لذلك، فإن ما نشهده حتى الآن لا يشبه سلامًا حقيقيًا، ولا حتى تسوية مستقرة. إنه أقرب إلى هدنة وظيفية هدفها إدارة المخاطر، لا إنهاء الصراع. فالحرب لم تحسم، والتفاوض لم ينضج، والجميع يتصرف على قاعدة أن الجولة الحالية قد تُجمَّد، لكن أسباب الجولة التالية ما تزال قائمة.

بعد 42 يومًا من الحرب، تبدو النتيجة الأكثر رسوخًا أن الذي انكسر لم يكن طرفًا واحدًا بقدر ما كان وهمًا استراتيجيًا كاملًا: وهم أن الضربة الأولى تكفي، وأن التفوق العسكري وحده يصنع النهاية، وأن الإقليم يمكن أن يُعاد تشكيله بصدمة خاطفة. ما تقوله هذه الحرب، حتى الآن، هو أن القوة حين تعجز عن فرض خاتمتها، تفتح الباب أمام تفاوض قسري. وهذا هو جوهر اللحظة: لم يتحقق الحسم، لكن وُلد الإكراه التفاوضي من رحم فشل الحسم نفسه.