منذ وصوله إلى عمّان، بدا السفير الأمريكي الجديد جيمس هولتسنايدر مختلفًا في أسلوبه وحركته. لحية طويلة لافتة، حضور اجتماعي نشيط، وزيارات لا تنقطع إلى قرى ومدن ومؤسسات إعلامية ومجالس عزاء ومناسبات عامة. مشهدٌ غير معتاد في الذهنية التقليدية للسفير الغربي الذي غالبًا ما يُرى داخل أسوار السفارات المغلقة، محاطًا بالبروتوكول الرسمي والحواجز الأمنية.
لكن السفير جيمس هولتسنايدر اختار مسارًا آخر: أن يكون حاضرًا بين الناس.
زيارة إلى بيت عزاء هنا، ولقاء مع وجهاء هناك، ومشاركة في مناسبة اجتماعية، ثم جولة في مؤسسة إعلامية مثل موقع "عمون" ولقاء مع الأستاذ سمير الحياري. صورٌ تنتشر على مواقع التواصل، وتعليقات تتراوح بين الترحيب والاستغراب، وبين من يراها خطوة ذكية للتواصل، ومن يتعامل معها بشيء من الريبة والحذر.
السؤال الطبيعي الذي يطرحه الكثيرون:
ما الهدف الحقيقي من هذه الزيارات التي يقوم بها السفير الأمريكي جيمس هولتسنايدر؟
في العرف الدبلوماسي، لا شيء يتم بلا هدف. والسفير – أي سفير – لا يتحرك بعفوية شخصية فقط، بل وفق استراتيجية مدروسة تمثل سياسة بلاده. ومع ذلك، فإن فهم هذه التحركات لا يحتاج إلى نظرية مؤامرة، بقدر ما يحتاج إلى قراءة واقعية لطبيعة العمل الدبلوماسي الحديث.
أول ما يمكن ملاحظته أن الولايات المتحدة تدرك جيدًا مكانة الأردن الحساسة في الإقليم. فهو دولة مستقرة وسط بحرٍ من الاضطرابات، وحليف تقليدي لواشنطن منذ عقود. لذلك فإن أي سفير أمريكي في عمّان – ومنهم السفير الحالي جيمس هولتسنايدر – لا يكتفي بإدارة العلاقات الرسمية مع الحكومة، بل يسعى إلى فهم المزاج الشعبي، والنبض الاجتماعي، وطبيعة المجتمع الذي يعمل فيه.
الدبلوماسية القديمة كانت تقوم على اللقاءات المغلقة بين السفراء والمسؤولين فقط. أما اليوم، فقد أصبحت "الدبلوماسية العامة" جزءًا أساسيًا من عمل أي سفارة. بمعنى أن السفير لم يعد مخاطبًا للحكومة وحدها، بل للرأي العام أيضًا.
من هذا المنطلق يمكن فهم الزيارات المتكررة التي يقوم بها جيمس هولتسنايدر للمجتمع الأردني.
فالسفير الذي يشارك في مجلس عزاء، أو يزور جامعة، أو يلتقي صحفيين وإعلاميين، إنما يرسل رسالة مفادها أنه ليس ضيفًا غريبًا معزولًا، بل جزء من المشهد اليومي. يحاول أن يقول للأردنيين: أنا هنا لأفهمكم، لا لأتعامل معكم من وراء الجدران.
لكن هل الأمر مجرد مجاملات اجتماعية؟
بالتأكيد لا.
هذه اللقاءات تتيح له الاستماع المباشر إلى الناس، إلى أسئلتهم ومخاوفهم وآرائهم حول قضايا حساسة مثل الاقتصاد، والسياسة الإقليمية، والحرب في غزة، والعلاقة مع الولايات المتحدة. فالسفير الذكي – مثل جيمس هولتسنايدر – لا يعتمد فقط على التقارير الرسمية، بل على الانطباعات المباشرة التي يجمعها بنفسه من الشارع.
زيارة موقع "عمون" الإخباري مثلًا ليست مجرد مجاملة إعلامية. الإعلام في الأردن يلعب دورًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام، والتواصل معه يمنح السفير فرصة لعرض وجهة نظر بلاده، ومحاولة تحسين الصورة الأمريكية في مجتمع يتابع بحساسية كل ما يجري في المنطقة.
كما أن هذه الزيارات تحمل بعدًا رمزيًا مهمًا:
إظهار الاحترام للعادات والتقاليد الأردنية.
عندما يشارك السفير جيمس هولتسنايدر في واجب عزاء، أو يجلس مع وجهاء في قرية، أو يتحدث بلغة بسيطة قريبة من الناس، فهو يدرك أن المجتمع الأردني يقوم على قيم اجتماعية راسخة: الاحترام، الضيافة، والتواصل المباشر. والانخراط في هذه القيم يمنحه قدرة أكبر على بناء جسور الثقة.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن مثل هذا الحضور المكثف يثير أيضًا تساؤلات مشروعة.
فالأردنيون بطبيعتهم مجتمع سياسي واعٍ، يعرف أن الولايات المتحدة لاعب رئيسي في قضايا المنطقة، من فلسطين إلى سوريا إلى العراق. وبالتالي فإن أي حركة للسفير الأمريكي – بما فيها تحركات جيمس هولتسنايدر – تُقرأ أحيانًا باعتبارها جزءًا من سياسة أوسع، وليست مجرد مبادرات شخصية.
هناك من يعتقد أن هذا الأسلوب يهدف إلى "تلطيف" صورة واشنطن في الشارع الأردني، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بالقضية الفلسطينية والموقف الأمريكي منها. وهناك من يرى أنه محاولة لبناء شبكة علاقات اجتماعية واسعة يمكن الاستفادة منها في فهم المزاج العام والتأثير فيه عند الحاجة.
وربما يكون الهدف مزيجًا من كل ذلك.
لكن من زاوية أخرى، يمكن أيضًا النظر إلى الأمر ببساطة أكثر:
السفير يريد أن ينجح في مهمته.
وأي سفير ناجح في العالم – ومنهم السفير الحالي في عمّان جيمس هولتسنايدر – هو الذي يعرف البلد الذي يعمل فيه، لا عبر الملفات فقط، بل عبر البشر أنفسهم. عبر الاستماع لهم، والجلوس بينهم، ومشاهدة حياتهم اليومية عن قرب.
الأردن بلد يقوم على العلاقات الشخصية والبعد الاجتماعي. ومن الطبيعي أن يدرك السفير الأمريكي أن بوابة المجتمع لا تقل أهمية عن بوابة القصر الحكومي أو وزارة الخارجية.
في النهاية، قد نختلف أو نتفق مع السياسة الأمريكية، وقد نقرأ تحركات جيمس هولتسنايدر بعيون ناقدة أو مرحبة، لكن المؤكد أن ما يقوم به يعكس فهمًا لطبيعة المجتمع الأردني أكثر مما يعكس محاولة استعراض شكلية.
فالدبلوماسية في جوهرها ليست بيانات رسمية فقط، بل قدرة على التواصل الإنساني.
وربما هذا ما يحاول السفير الأمريكي جيمس هولتسنايدر فعله:
أن يكون حاضرًا بين الناس، لا مجرد اسم على لافتة سفارة.
هل ينجح في ذلك؟
الوقت وحده سيجيب.