كتب - زياد فرحان المجالي
في السياسة الأميركية، هناك عبارة تُستخرج من الدرج كلما أُريد رفع الصوت دون تغيير قواعد اللعبة:
"هذه فرصتكم الأخيرة.”
قالها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكثر من ملف، وها هي تُقال اليوم في غزة:
حماس أمام فرصتها الأخيرة لتسليم السلاح.
حسنًا.
فلنهدأ قليلًا.
ولنسأل السؤال الذي يبدو بسيطًا إلى حد الإحراج:
أي سلاح؟
هل نتحدث عن أسطول بحري يسيطر على المتوسط؟
عن سلاح جو يملأ السماء؟
عن منظومات دفاع جوي بعيدة المدى؟
عن مصانع تسليح استراتيجية؟
عن أقمار صناعية عسكرية؟
أم نتحدث عن صواريخ محلية الصنع، وأنفاق، وبنادق، وقذائف محدودة التأثير، داخل مساحة جغرافية محاصرة من كل الجهات؟
المقارنة هنا ليست سياسية فقط… بل حسابية.
طرف يملك جيشًا نظاميًا متقدمًا، تفوقًا جويًا مطلقًا، منظومات دفاع متعددة الطبقات، دعمًا عسكريًا دوليًا مفتوحًا، واقتصادًا قادرًا على إعادة التسلح بلا توقف.
وطرف آخر لا يملك مطارًا، ولا ميناءً، ولا حدودًا مفتوحة.
ثم يُقال:
"سلّموا السلاح… هذه فرصتكم الأخيرة.”
الأمر يشبه أن تطلب من شخص داخل غرفة مغلقة أن يسلّم مفاتيح الشارع.
فرصة أخيرة… أمام من؟
عادةً، تُستخدم عبارة "الفرصة الأخيرة” عندما يكون الطرف المقابل قادرًا على قلب الطاولة.
لكن هنا، الطاولة ثابتة، والكراسي موزعة، وميزان القوة معروف سلفًا.
إذا كان السلاح الذي تملكه حماس—وفق التوصيف الواقعي—لا يشكّل تهديدًا وجوديًا لدولة تمتلك تفوقًا عسكريًا ساحقًا،
فلماذا يُرفع الملف إلى مستوى الإنذار النهائي؟
هل الخطر في المعدن؟
أم في المعنى؟
سلّموا السلاح… أم سلّموا الفكرة؟
لأن المسألة تبدو أعمق من مجرد بنادق وصواريخ.
السلاح، بحجمه وإمكاناته، لا يغيّر ميزان القوى جذريًا.
لكن الفكرة—فكرة المقاومة ذاتها—هي ما يبقى حاضرًا في المشهد.
ربما المطلوب ليس فقط تفكيك قذيفة،
بل تفكيك الرواية.
ليس فقط إنهاء قدرة عسكرية محدودة،
بل إنهاء رمز سياسي يقول: "ما زلنا هنا.”
المسرحية المتكررة
في كل جولة تفاوض، هناك "فرصة أخيرة”.
ثم تأتي جولة أخرى، ومعها فرصة أخيرة جديدة.
ولو جمعنا هذه الفرص عبر السنوات، لاحتجنا إلى سجل مستقل بعنوان: "النهايات التي لا تنتهي”.
المفارقة أن الفرصة الأخيرة لا تكون أبدًا الأخيرة.
بل تصبح جزءًا من الخطاب الدوري.
وطوال ذلك، هناك مشهد لا يتغير:
مدنيون ينتظرون الغذاء.
أطفال ينتظرون الدفء.
عائلات تبحث عن سقف.
لكن العنوان الأكبر يبقى:
"سلّموا السلاح.”
المقارنة التي لا تُقال
لنكن صريحين:
لا تماثل في القوة.
لا مقارنة حقيقية في الإمكانات.
ومع ذلك، تُستخدم لغة الإنذار النهائي وكأننا أمام قوتين عظميين تتبادلان الرسائل النووية.
هنا تبدأ السخرية.
حين يصبح السلاح المحدود هو "العقبة الكبرى”،
بينما تُغيب أسئلة الدولة، والسيادة، والحدود، والاقتصاد،
فالمشهد يبدو مقلوبًا.
السؤال المنطقي
إذا أُزيل هذا السلاح بالكامل،
هل تُعلن دولة كاملة السيادة في اليوم التالي؟
هل تُفتح الحدود؟
هل يُرفع الحصار؟
هل يبدأ الإعمار فورًا؟
أم أن "الفرصة الأخيرة” ستولد من جديد تحت عنوان مختلف؟
السؤال هنا ليس عاطفيًا،
ولا دفاعًا عن خيار سياسي،
بل محاولة لفهم المنطق.
لأن الضغط على طرف لا يملك أدوات دولة، تحت عنوان "الفرصة الأخيرة”،
يبدو أقرب إلى انتصار رمزي في الخطاب،
منه إلى تسوية متوازنة في الواقع.
الخاتمة
وفي النهاية،
قد لا تكون المسألة في صاروخ أو بندقية.
ولا في توازن عسكري مختلّ يعرفه الجميع.
المسألة أعمق من ذلك.
حين تُقال عبارة "هذه فرصتكم الأخيرة” لطرف لا يملك دولة ولا سماء ولا بحرًا،
فالسؤال لا يكون عن ميزان القوة،
بل عن تعريف الوجود نفسه.
لأن أحيانًا، لا يُطلب تسليم السلاح…
بل تسليم الحق في أن تبقى موجودًا.