في السياسة، حين يُطرح السؤال بصيغةٍ حادّة: حرب أم اتفاق؟ يكون الجواب في الغالب أكثر تعقيدًا من ثنائيّة الصدامِ أو المُصالحة. هكذا تبدو الجولة الثالثة من مفاوضات جنيف. فهي، رُغم التّحشيدات الأميركيّة العسكريّة الضّخمة، ليست على حافة حربٍ شاملة، وليست، أيضًا، على أعتابِ اتفاقٍ تاريخيٍّ حاسم، لكنّها، ترزح في منطقةٍ رماديّة أقرب إلى تفاهمٍ مرحليّ يجمّد الانفجار ولا ينهي الأزمة.
المنطق الاستراتيجي يسبق العاطفة هنا. إذ أنَّ كُلفة الحرب الشّاملة، في اللَّحظةِ الدوليّة الرّاهنة، أعلى من قدرة الجميع على الاحتمال. فمواجهةٌ مباشرة بين واشنطن وطهران لن تكون ضربة جراحيّة محدودة، بل مسارًا مفتوحًا على الخليج، والعراق، وسوريا، وربما أبعد من ذلك. أسواقُ الطاقة ستضطَّرب، وسلاسل الإمداد ستتأثَّر، والتّحالُفات ستُختبر.
في مثل هذا السياق، لا تبدو الحرب خيارًا عقلانيًا لأي طرف، إلّا إذا فُرِضت عليه بفعل خطأ حسابات أو حادثٍ ميدانيّ خارج السيطرة.
في المقابل، رفع السقف العسكري لا يعني بالضّرورة قرارًا بالحرب. ففي تجارب التّفاوض الكُبرى، غالبًا ما يُستخدم التّهديد كأداةٍ لتحسين الشروط، لا كتمهيدٍ للمُدافِع. فحين تتزامن التعزيزات العسكرية مع استمرار القنوات الدبلوماسية، فذلك يشير، عادةً، إلى إدارة ضغط، لا إلى إعلان مواجهة. الرسائل الصلبة تُرسل لتحسين موقع الجلوس على الطاولة، لا لمغادرتها.
أما الاتفاق الشامل، فهو بدوره ليس قريب المنال. إذ الفجوات في القضايا الجوهرية -من العقوبات إلى الضمانات إلى سقوف الالتزامات التقنية- عميقة، ولا يمكن ردمها في جولةٍ أو جولتَين. لكن، السياسة لا تبحث دائمًا عن الحل الكامل؛ أحيانًا يكفيها تأجيل الانفجار.
من هنا تبدو صيغة «التفاهم المرحلي» الأكثر واقعية: تجميدٌ مقابل تخفيف محدود، التزام مقابل خطوة مقابلة، إدارة أزمة بدل إنهائها.
المؤشر الأهم أن لا تعبئة "حقيقيّة" كبرى تسبق المشهد. الحروب عادةً تمهد لها سرديات داخليّة واضحة، وتحالُفات معلنة، وتحشيد رأي عام. هذا المناخ لا أراهُ متشكّلًا بالقدر الذي يسمح بالقول إنّ قرار الحرب قد اتُّخذ. ما نراه هو تصعيدٌ محسوب، لا اندفاعًا أعمى.
وعليه، إذا كان لا بد من إجابةٍ حاسمةٍ على السؤال: حرب أم اتفاق؟
فالترجيح المنطقي، حسبما أرى، يميل، بشيءٍ من الوضوح، إلى اتفاق -ولو كان ناقصًا، مؤقتًا، أو تقنيًا- لا إلى حرب شاملة.
يبقى الاحتمال الاستثنائي حاضرًا دائمًا: خطأ ميداني، سوء تقدير، أو فعل يستفز ميزان الردع. لكن، في الحساب البارد للمصالح، تبدو البراغماتية أقوى من المغامرة، وإدارة الأزمة أقرب من إشعالها.