اتفاقية سان ريمو، التي عقدت في عام 1920، تمثل نقطة تحول حاسمة في تاريخ منطقة الشرق الأوسط. جاءت هذه الاتفاقية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي ظل تفكك الإمبراطورية العثمانية، لتحدد مستقبل المنطقة العربية وتقسيمها بين القوى الاستعمارية المنتصرة. وقد أثرت قراراتها بشكل كبير على الحدود السياسية والاجتماعية والاقتصادية للعديد من الدول العربية، ولا تزال تداعياتها محسوسة حتى اليوم.
اتفاقية سان ريمو: نظرة عامة
اتفاقية سان ريمو هي اتفاقية عُقدت في مدينة سان ريمو الإيطالية في 19 أبريل 1920. جمعت هذه الاتفاقية المجلس الأعلى للحلفاء لمناقشة شروط الصلح مع تركيا، ووضع ترتيبات الانتداب في المناطق العربية. كان الهدف الرئيسي هو رسم مستقبل المنطقة العربية على أساس التجزئة والانتداب. انتهت الاتفاقية في 25 أبريل من نفس العام، وأدت إلى معاهدة سيفر التي لم يُكشف عن محتواها حتى 15 مايو 1920. واعتبرت قراراتها مجحفة وظالمة بحق العرب، وشملت شروطًا قاسية على تركيا.
سبب انعقاد اتفاقية سان ريمو
عقدت اتفاقية سان ريمو كرد فعل على المؤتمر السوري الذي انعقد في دمشق في مارس 1920. حضر المؤتمر ممثلون عن مدن مجاورة مثل القدس وحيفا ويافا والخليل وأنطاكيا وإدلب واللاذقية ودمشق وحلب وحماة وغيرها. كان المؤتمر بمثابة برلمان يمثل جميع هذه المناطق، وأعلن استقلال سوريا ومناطقها التي كانت تحت الحكم التركي، بالإضافة إلى لبنان وفلسطين والأردن، وجمعها تحت اسم المملكة السورية العربية، مع تنصيب فيصل بن الحسين ملكًا. هذا الإعلان أثار قلق الحلفاء، فكان ردهم بعقد اتفاقية سان ريمو.
أهم قرارات اتفاقية سان ريمو
بعد انعقاد اتفاقية سان ريمو بحضور رؤساء وزراء بريطانيا وإيطاليا وفرنسا، وممثلين عن بلجيكا واليابان واليونان، تم اتخاذ القرارات التالية:
- إلغاء معاهدة سيفر مع الإمبراطورية العثمانية وإلزامها بالتخلي عن البلدان العربية في آسيا وشمال أفريقيا.
- عقد معاهدة سلام مع تركيا في 10 أغسطس 1920.
- استقلال أرمينيا وكردستان.
- الوجود اليوناني في شرق تراقيا والساحل الغربي للأناضول.
- استعمار اليونان لجزر إيجة التي تتحكم في منطقة الدردنيل.
- وضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي.
- وضع فلسطين والعراق تحت الانتداب البريطاني.
- وضع باقي الدول المستقلة تحت السلطة الإلزامية إلى أن تصل إلى مرحلة النضج السياسي.
- عقد اتفاقية أنجلو للنفط، والتي نصت على تزويد فرنسا بنسبة 25% من حصص النفط العراقي، وإعادة إدراج الموصل مع الولايات التي تقع تحت الانتداب البريطاني.
- رفض السماح لألمانيا بزيادة حجم جيشها بسبب التوتر القائم بين فرنسا وألمانيا نتيجة لأحكام معاهدة فرساي.
- الالتزام بوعد بلفور، ورسم حدود بين سوريا والعراق مع ضم مدينة الموصل إلى العراق بعد أن كانت جزءاً من سوريا حسب اتفاقية سايكس بيكو.
- فرض الانتداب البريطاني على فلسطين من قبل دول التحالف لتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين وإنشاء وطن قومي لهم، مع ضمان حقوقهم في الدول الأخرى. تأسست المنظمة الصهيونية ووكالة يهودية لجمع اليهود وإنشاء وطن لهم في فلسطين. لعب الانتداب البريطاني دوراً في تسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع الاستيطان من خلال سن قوانين تسمح لليهود بالحصول على الجنسية الفلسطينية، واعتبار اللغة العبرية لغة رسمية إلى جانب العربية والإنجليزية.
ردود الفعل على اتفاقية سان ريمو
أثارت قرارات اتفاقية سان ريمو موجة غضب في العالم العربي، ومن أهم ردود الفعل:
- احتجاج الفلسطينيين على فصل فلسطين عن سوريا.
- وقوع اشتباكات بين البريطانيين والقبائل العربية على الحدود الفلسطينية السورية، مما أدى إلى وقوع إصابات لكلا الجانبين.
- عقد اجتماعات سياسية بين المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين للتخطيط لاحتجاجات ضد تقسيم سوريا.
- اندلاع ثورتين في سوريا: ثورة سلطان باشا الأطرش في حوران، وثورة صالح العلي في جبل العلويين، رفضًا للتقسيمات، مما أدى إلى توحيد سوريا باستثناء لبنان وفلسطين والأردن.
- اندلاع ثورة كمال أتاتورك في تركيا رفضًا لمعاهدة سيفر، مما أسفر عن هزيمة الجيوش المحتلة ومطالبة أتاتورك بمعاهدة لوزان التي تنازلت فيها تركيا عن المدن العربية التي كانت تحت الحكم العثماني.
تبعات اتفاقية سان ريمو
ظهرت عدة تبعات وقرارات عقب اتفاقية سان ريمو، من أهمها:
- إنشاء فرنسا لدولة لبنان الكبير المكونة من بيروت وطرابلس وصيدا وعكار والبقاع وبعلبك وحاصبيا وجبل لبنان وعامل، ثم إنشاء دول حلب والعلويين والدروز.
- تمزيق فرنسا لكل من سوريا ولبنان.
- إصدار المفوّض السامي غورو بعض القرارات ودخوله إلى سوريا عقب محاولة فرنسا تمزيق سوريا وانتصاره على الجيش العربي في معركة ميسلون.
- اندلاع ثورة سلطان باشا في جبل العلويين رفضًا للتقسيمات، مما أدى إلى توحيد سوريا مجددًا.
- رسم حدود لكل من سوريا والأردن والعراق وفلسطين.
- تعيين هربرت صموئيل مندوباً سامياً لبريطانيا في فلسطين، وهو معروف بتحيزه لليهود.
الخلاصة
اتفاقية سان ريمو كانت نقطة تحول رئيسية في تاريخ المنطقة العربية، حيث أدت إلى تقسيم المنطقة وتحديد مصير دولها تحت الانتداب. القرارات التي اتخذت في هذه الاتفاقية أثرت بشكل كبير على المنطقة، ولا تزال تداعياتها محسوسة حتى اليوم. من خلال فهم أسباب وقرارات ونتائج هذه الاتفاقية، يمكننا فهم أفضل للتحديات التي تواجه المنطقة العربية في الوقت الحاضر.