تعتبر الدورة الدموية من أهم العمليات الحيوية في جسم الإنسان، حيث تضمن نقل الأكسجين والمغذيات إلى جميع الخلايا والأنسجة، والتخلص من الفضلات وثاني أكسيد الكربون. يتكون الجهاز الدوري من القلب والأوعية الدموية (الشرايين والأوردة والشعيرات الدموية)، وتلعب الرئتان والكليتان دورًا حيويًا في تنقية الدم والحفاظ على توازن الجسم. فهم الدورة الدموية وتاريخ اكتشافها يساهم في تطوير علاجات لأمراض القلب والأوعية الدموية، والتي تعد من الأسباب الرئيسية للوفاة حول العالم.

علم التشريح: نظرة تاريخية

بدأ الاهتمام بعلم التشريح منذ القدم، وتحديدًا منذ حوالي 2500 قبل الميلاد، بهدف فهم أصل الحياة وطبيعة الأمراض التي تصيب أعضاء الجسم. علم التشريح يتطور باستمرار، وكل اكتشاف جديد يمثل نقلة نوعية في فهم وظائف الجسم وعلاج الأمراض.

عبر التاريخ، برز علماء كثر ساهموا في تطوير علم التشريح، منهم ابن الهيثم، والرازي، والزهراوي، ولويجي جلفاني، وأندرياس فيزاليوس، وجابرييل فالوبيو، وابن النفيس، وحنين ابن اسحاق.

الدورة الدموية: نظام النقل الحيوي في الجسم

يحتاج الجسم إلى نظام نقل فعال لربط المواد المختلفة بالأعضاء والخلايا. الجهاز الدوراني، بشبكته الواسعة من الأعضاء والأوعية الدموية، هو المسؤول عن تدفق الدم في جميع أنحاء الجسم.

سريان الدم ضروري لبقاء جميع الأعضاء حية، حيث ينقل الأكسجين والهرمونات والغذاء والغازات الأخرى من وإلى الخلايا. بدونه، لا يستطيع الجسم مقاومة الأمراض أو الحفاظ على استقرار درجة الحرارة والحموضة والبيئة الداخلية.

تنقسم الدورة الدموية إلى دورتين: صغرى وكبرى. اكتشاف آلية عمل الدورة الدموية كان ثورة في مجال الطب، حيث تم تفسير العديد من الظواهر في جسم الإنسان بناءً على هذا الاكتشاف.

اكتشاف الدورة الدموية الصغرى

العالم العربي ابن النفيس هو من اكتشف الدورة الدموية الصغرى في عام 1242 ميلادية. ولد في دمشق عام 1213 ميلادية، ودرس الطب في مستشفياتها. كان الطبيب الشخصي للظاهر بيبرس، وعُين لاحقًا رئيسًا لأطباء البيمارستان المنصوري في القاهرة.

خلال فترة عمله في المستشفى، اكتشف ابن النفيس العديد من الأمور وألف كتبًا مهمة في الطب، ووجد حلولًا للأمراض المنتشرة في القاهرة. كان متخصصًا في علم وظائف الأعضاء وعلم التشريح. توفي في القاهرة عام 1288 ميلادية.

من أشهر كتبه "شرح تشريح قانون ابن سينا"، حيث شرح فيه كيفية حدوث الدورة الدموية الصغرى. وقد لقبه بعض العلماء بابن سينا الثاني بسبب كتابه الشامل في الصناعة الطبية الذي لم ينشر كاملاً. كما كان مبدعًا في مجالات أخرى غير الطب، مثل اللغة، وله مؤلفات مثل كتاب "طريق الفصاحة".

نظام الدورة الدموية الصغرى

تحدث الدورة الدموية الصغرى بين الرئتين والقلب. ينقسم القلب إلى بطين أيمن وبطين أيسر، وأذين أيمن وأذين أيسر. تحمل الأوعية الدموية (الشريان الرئوي) الدم المحتوي على ثاني أكسيد الكربون والسموم من البطين الأيمن في القلب إلى الرئتين لاستبداله بدم يحتوي على الأكسجين والغذاء. يتم ذلك عن طريق تحرير ثاني أكسيد الكربون واتحاد كريات الدم الحمراء مع جزيئات الأكسجين من الرئتين. ثم تعود الأوردة الرئوية بالدم إلى الأذين الأيسر في القلب مرة أخرى ليوزعه على باقي أجزاء الجسم من خلال الدورة الدموية الكبرى.

اكتشاف الدورة الدموية الكبرى

اكتشف العالم الإنجليزي ويليام هارفي الدورة الدموية الكبرى. ولد عام 1578م، وقدم وصفًا دقيقًا لكيفية ضخ الدم في جميع أنحاء الجسم عن طريق القلب مرورًا بالرئتين عام 1616. درس الطب في كلية كينجز ثم في جامعة كامبريدج ثم جامعة بادوفا في إيطاليا. كان متخصصًا في التشريح. ساعده هيرونيموس فبريسوس، معلمه، بشكل كبير في تقديم اكتشافه للعالم، ووضع اكتشافه مفصلاً داخل كتاب بعنوان "دراسة تشريحية لحركة القلب والدم في الحيوانات". تم الترحيب باكتشافه في إنجلترا، ولكن بقي هناك بعض المشككين. لم يكتف ويليام بهذا الاكتشاف، ولكنه اقترح أيضًا إمكانية إخصاب البويضة بالحيوان المنوي بطريقة خارجية. توفي ويليام عام 1657.

نظام الدورة الدموية الكبرى

تحدث الدورة الدموية الكبرى بين القلب وأجزاء الجسم المختلفة باستثناء الرئتين. ينقل الشريان الأبهر الدم المليء بالأكسجين إلى الشرايين والشعيرات الدموية التي تنتشر في جميع أجزاء الجسم لتوصيل الأكسجين إلى الخلايا من أجل إتمام عملية التنفس الخلوي داخل الميتوكندريا. وفي الوقت نفسه، يتم امتصاص ثاني أكسيد الكربون عبر الأوردة الصغيرة التي تنقل هذا الدم الملوث بثاني أكسيد الكربون إلى الأوردة الدموية الأكبر ثم إلى الوريد الأجوف الأعلى والوريد الأجوف الأسفل ثم إلى قسم القلب الأيمن، الذي بدوره يبدأ الدورة الدموية الصغرى التي تستبدل الدم الذي يحمل ثاني أكسيد الكربون بدم يحمل الأكسجين.

مكونات الجهاز الدوراني

يحتوي جهاز الدوران على أجزاء مهمة تعتبر من أهم الأجزاء الوظيفية في جسم الإنسان، وهي:

  • الشرايين.
  • الأوردة.
  • القلب.
  • الشعيرات الدموية.
  • الرئة.
  • الكليتين.

الخلاصة

اكتشاف الدورة الدموية، بدورتيها الصغرى والكبرى، يمثل علامة فارقة في تاريخ الطب. بفضل جهود علماء مثل ابن النفيس وويليام هارفي، أصبحنا نفهم بشكل أفضل كيفية عمل جسم الإنسان وأهمية الدورة الدموية في الحفاظ على الحياة. هذا الفهم المستمر يساهم في تطوير علاجات لأمراض القلب والأوعية الدموية وتحسين صحة الإنسان.