القطران مادة معقدة استخدمت لعدة قرون، حيث يعود تاريخ استخدامها إلى العصور القديمة. تاريخيًا، استخدم القطران في مجالات متنوعة مثل بناء السفن، وحفظ الأخشاب، وحتى في الطب التقليدي. اليوم، يتم استخدام القطران ومشتقاته في العديد من الصناعات، بدءًا من رصف الطرق وحتى إنتاج بعض الأدوية. ومع ذلك، من المهم فهم المخاطر الصحية المحتملة المرتبطة بالتعرض للقطران، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل المخاطر.

القطران: ما هو؟

القطران مادة سوداء لزجة القوام، يتم استخراجها من مواد عضوية متنوعة مثل النفط، الخشب، الفحم، والخث، وذلك عن طريق التقطير الإتلافي. يستخدم القطران في رصف الطرق، وحفظ الخشب من التسوس، وحماية الحديد من الصدأ.

يعرف القطران باللغة الإنجليزية باسم "Tar"، وقد يطلق عليه البعض اسم "الزفت"، وهو شكل من أشكال القطران، ولكنه يتميز بقوام أكثر صلابة. ومن أنواع القطران الأخرى، عصارة شجر الأرز والأبهل التي تُطبخ وتستخدم لعلاج الإبل المصابة بالجرب.

أنواع القطران واستخداماته

فيما يلي، نستعرض أنواع القطران المختلفة، والمنتجات الكيميائية التي تُشتق منها، واستخداماتها المتنوعة، بالإضافة إلى المضار المحتملة الناتجة عنها.

قطران الخشب

قطران الخشب مادة سائلة لزجة ذات رائحة لطيفة ومقاومة للميكروبات. يتم استخراجه من أخشاب الأشجار بعدة طرق، مثل التقطير الجاف، التقطير الإتلافي، أو كربنة الأخشاب (حرق الخشب بمعزل عن الهواء).

توجد أنواع مختلفة من قطران الخشب، مثل قطران الخشب الصلب المستخرج من أشجار الزان والبلوط، وقطران الخشب الصمغي المستخرج من جذور وأرومات أشجار الصنوبر. كما يستخرج نوع فاخر من قطران الخشب يسمى (tökötti) من قشرة أشجار التامول. يمكن استخدام قطران الخشب الخام كما هو، أو تجزئته للحصول على الكريوزوت، والزيوت، والزفت.

ينتج قطران الخشب الصلب عن تقطير أو ترسيب حمض الخشب الناتج بدوره عن تقطير أخشاب الأشجار. أما قطران الخشب الصمغي، مثل قطران خشب الصنوبر، فينتج عن تقطير زيت التربنتين المستخرج من أشجار الصنوبر.

قطران الفحم

يستخرج قطران الفحم من الفحم القاري بعملية التقطير الإتلافي أو التقطير الهدام. يمكن استخدام قطران الفحم لإنتاج العديد من المواد العضوية المفيدة مثل البنزين، الزيلين، التولوين، الفينانثرين، النفثالين، والأنثراسين، والتي تستخدم في صناعة المتفجرات، النكهات، العطور، المواد الحافظة، الأصباغ، الأدوية، والراتنجات الاصطناعية والدهانات.

يعتبر القطران المستخرج من الفحم سامًا ومسرطنًا، تمامًا كالقطران المستخرج من النفط، وذلك لاحتوائه على البنزين. ومع ذلك، يمكن استخدامه بتركيز منخفض كعلاج موضعي.

مشتقات القطران

يوجد للقطران بنوعيه، قطران الخشب وقطران الفحم، العديد من المشتقات، من أهمها:

زيت قطران الفحم

يُفصل زيت قطران الفحم عن قطران الفحم بالتقطير. يتميز هذا الزيت بأنه سائل له رائحة عطرية، وهو أقل كثافة من الماء وغير قابل للذوبان فيه. يتراوح لونه من الشفاف عديم اللون إلى البني الداكن.

يحتوي زيت قطران الفحم على النفثالين، الأسينافثين، ميثيل نافثالينس، الفلورين، الفينول، الكريسول، البيريدين، البيكولين، ومواد أخرى. لزيت قطران الفحم تأثير مخدر، والتعرض له بتركيز مرتفع قد يسبب فقدان الوعي.

زفت القطران

زفت القطران هو البقايا السوداء أو البنية الداكنة التي تتبقى بعد تقطير قطران الخشب، أو قطران الفحم، والدهون والأحماض الدهنية، أو الزيوت الدهنية. يتراوح قوام زفت قطران الخشب ما بين اللين والقاسي، ويتكون من مركبات راتنجية عطرية، وهيدروكربونات عطرية ومشتقاتها.

أما زفت قطران الفحم، فهو مادة براقة زاهية اللون تستخدم في صناعة البلاستيك والمواد العازلة.

الكريوزوت

الكريوزوت هو خليط من المواد الكيميائية التي تنتج عن تقطير القطران. يوجد منه نوعان: كريوزوت قطران الخشب، وهو سائل دهني يتدرج لونه من عديم اللون إلى اللون المائل للأصفر، وهو قابل للذوبان نسبيًا في الماء، وكريوزوت قطران الفحم، وهو سائل زيتي كثيف لونه كهرماني (عنبري) مائل للأسود.

استخدامات القطران ومشتقاته

للقطران ومشتقاته العديد من الاستخدامات، منها:

  • يعالج بعض الأمراض الجلدية، مثل مرض الصدفية، وأكثر أنواع القطران فعالية في علاج الصدفية هو قطران الفحم.
  • يُستخدم كمطهر عام.
  • استخدمه قدماء المصريين في تحنيط الجثث.
  • يُستخدم قطران الخشب لعزل القوارب الخشبية التقليدية ومنع تسرب الماء إليها، وعزل أسقف الكنائس القديمة المصنوعة من ألواح الخشب، ولطلاء الجدران الخارجية من المباني التي تُبنى من أخشاب الأشجار.
  • استُخدم قطران الخشب في الطب الفنلندي التقليدي بسبب خصائصه المقاومة للميكروبات.
  • يُستخدم قطران الخشب لتتبيل بعض الأغذية مثل اللحوم، وكمادة منكهة للحلويات.
  • يُستخدم قطران الخشب لإعطاء رائحة محببة لحمامات الساونا.
  • يُستخدم قطران الخشب في صناعة مستحضرات التجميل والشامبو المضاد للقشرة.
  • يُستخدم عند مزجه مع ورنيش زيت بذور الكتان كطلاء للخشب لحمايته من عوامل التجوية والمحافظة على سلامة أنسجته.
  • يستخدم مركب البيريدين - سائل عديم اللون له رائحة نفاذة ينتج عن إزالة أحماض القطران من قطران الفحم- في الصناعات الدوائية.
  • يستخدم زفت قطران الفحم في صناعة الأقطاب الكهربائية وصناعة الألمنيوم.
  • يستخدم اليابانيون كريوزت خشب الزان كمقشع وملين.
  • استُخدم كريوزت خشب الزان قديماً كعلاج للجذام والالتهاب الرئوي والسل، ولا يزال متاحًا حتى الآن كعلاج عشبي.
  • يُستخدم القطران ومشتقاته كطارد للطيور والحيوانات، وكمبيد حشري ومبيد للفطريات.
  • يُستخدم قطران الفحم ومشتقاته في صناعة المطاط.

أضرار القطران ومشتقاته

يؤدي التعرض لقطران الفحم ومشتقاته سواء عن طريق البلع أو الاستنشاق أو ملامسة الجلد للعديد من المشاكل الصحية، وأهمها:

  1. تناول الطعام أو الماء الملوث بتركيز مرتفع من قطران الفحم أو مشتقاته قد يسبب حروقًا في الفم والحلق وآلامًا في المعدة.
  2. تناول العلاجات العشبية التي تحتوي على الكريوزوت قد يؤدي إلى تلف الكبد أو الكلية.
  3. التعرض قصير الأمد لكميات كبيرة من كريوزوت قطران الفحم قد يسبب ظهور طفح جلدي أو تهيج الجلد والحروق الكيميائية للعين ومشاكل في الكلى أو الكبد وفقدان الوعي والتشنج والارتباك العقلي، وقد يؤدي إلى الموت.
  4. التعرض طويل الأمد لمستويات قليلة من قطران الفحم ومشتقاته قد يؤدي إلى زيادة الحساسية لأشعة الشمس أو تلف القرنية وتلف الجلد.
  5. زيادة خطر الإصابة بسرطان الجلد وسرطان الرئة والمثانة والكلى وسرطان الجهاز الهضمي خاصةً لدى العمال الذين يعملون في مشاغل سبك المعادن أو إنتاج فحم الكوك أو تحويل الفحم إلى غاز (تغويز الفحم) ومصانع إنتاج الألمنيوم. لذلك وضعت إدارة السلامة والصحة المهنية التي تُعرف اختصارًا بأوشا معايير السلامة للعاملين في مجال بناء السفن والبناء والتشييد وحددت المستويات المقبولة لتعرضهم لقطران الفحم وزفت قطران الفحم وزودت العاملين بتعليمات الصحة والسلامة لتجنب أخطار التعرض للقطران.

الخلاصة

القطران مادة متعددة الاستخدامات، ولكن يجب التعامل معها بحذر بسبب المخاطر الصحية المحتملة. من خلال فهم أنواع القطران المختلفة، واستخداماتها، ومخاطرها، يمكننا اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن استخدامه والوقاية من آثاره الضارة.