تعد السدود من أضخم المشاريع الهندسية التي عرفتها البشرية، ولقد لعبت دوراً حاسماً في تنظيم تدفق المياه وتوليد الطاقة وتنمية المجتمعات. وفي قلب قارة أفريقيا، يبرز سدان عملاقان: السد العالي في مصر وسد النهضة الإثيوبي. يمثل هذان السدان نموذجين مختلفين للتنمية، ولكنهما أيضاً يشكلان محوراً للتوترات الإقليمية والمصالح المتضاربة.

السد العالي: إرث من الماضي وتحديات الحاضر

تم بناء السد العالي في مصر في ستينيات القرن الماضي، وكان يعتبر في حينه إنجازاً هندسياً غير مسبوق. لقد ساهم السد في توفير مياه الري لملايين الأفدنة، وحماية البلاد من الفيضانات والجفاف، وتوليد كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية. ولكن، مع مرور الوقت، ظهرت بعض الآثار السلبية للسد، مثل تآكل دلتا النيل وتدهور جودة المياه في بحيرة ناصر. وفقاً لتقرير صادر عن وزارة الري المصرية، فقد انخفضت حصة مصر من مياه النيل بنسبة 5% منذ اكتمال بناء السد، بسبب التبخر والتسرب.

سد النهضة: طموحات المستقبل ومخاوف الجيران

بدأ بناء سد النهضة في إثيوبيا في عام 2011، ويهدف إلى توليد الطاقة الكهربائية وتصديرها إلى الدول المجاورة. تعتبر إثيوبيا أن السد يمثل فرصة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين مستوى معيشة مواطنيها. ولكن، تخشى مصر والسودان من أن يؤثر السد على حصتهما من مياه النيل، خاصة خلال فترات الجفاف. تشير تقديرات غير رسمية إلى أن ملء خزان السد قد يستغرق ما بين 5 إلى 7 سنوات، مما قد يؤدي إلى نقص حاد في المياه في مصر والسودان.

مقارنة بين السدين: أوجه التشابه والاختلاف

يشترك السد العالي وسد النهضة في كونهما من المشاريع الضخمة التي تهدف إلى استغلال مياه النيل لتلبية احتياجات التنمية. ولكنهما يختلفان في أهدافهما وموقعهما وتأثيراتهما. فالسد العالي يهدف بشكل أساسي إلى توفير مياه الري وحماية البلاد من الفيضانات، بينما يهدف سد النهضة إلى توليد الطاقة الكهربائية. ويقع السد العالي في مصر، بينما يقع سد النهضة في إثيوبيا، مما يجعله مصدراً للتوترات الإقليمية. كما أن للسد العالي آثاراً سلبية على البيئة، بينما لم تتضح بعد الآثار الكاملة لسد النهضة.

نحو عام 2026: سيناريوهات مستقبلية

مع اقتراب عام 2026، تتجه الأنظار إلى مستقبل العلاقات بين مصر وإثيوبيا والسودان، وإلى مصير مياه النيل. هناك عدة سيناريوهات محتملة، تتراوح بين التعاون والتكامل، والنزاع والتصعيد. السيناريو الأول هو التوصل إلى اتفاق ملزم قانوناً بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، يضمن حقوق جميع الأطراف ويحمي مصالحها. السيناريو الثاني هو استمرار الوضع الراهن من التوتر وعدم الثقة، مما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة المائية وتدهور العلاقات بين الدول الثلاث. السيناريو الثالث هو نشوب نزاع مسلح بين مصر وإثيوبيا، وهو سيناريو مستبعد ولكنه غير مستحيل، خاصة في ظل تصاعد الخطاب العدائي والتحشيد العسكري.

الخلاصة: نحو حلول مستدامة

إن قضية سد النهضة ليست مجرد قضية مياه، بل هي قضية سياسية واقتصادية واجتماعية. تتطلب هذه القضية حلولاً مستدامة تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأطراف، وتحمي حقوق الأجيال القادمة. يجب على مصر وإثيوبيا والسودان أن يتعاونوا من أجل التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف، يضمن توزيعاً عادلاً لمياه النيل، ويساهم في تحقيق التنمية المستدامة في المنطقة. يجب عليهم أيضاً أن يستثمروا في مشاريع مشتركة في مجال المياه والطاقة، وأن يعملوا على تعزيز الثقة المتبادلة والحوار البناء.