كثيرًا ما نتساءل عن أصول المعرفة ومؤسساتها، وأين بدأت رحلة العلم التي ننعم بها اليوم. السؤال عن أول جامعة في العالم ليس مجرد استعراض للتاريخ، بل هو فهم لجذور الحضارة الإنسانية وتطور الفكر. دعونا نتعمق في هذا الموضوع، مستكشفين الماضي والحاضر، ومستشرفين مستقبل التعليم الجامعي بحلول عام 2026.

جامعة القرويين: من مسجد إلى منارة علمية

تُعتبر جامعة القرويين في مدينة فاس المغربية أقدم جامعة في العالم لا تزال تعمل حتى اليوم. تأسست عام 859 م على يد فاطمة الفهرية، وكانت في البداية مسجدًا. ومع مرور الوقت، تطورت لتصبح مركزًا للتعليم والبحث العلمي، حيث جذبت العلماء والطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي وخارجه. درست في القرويين علوم الدين، واللغة العربية، والفلك، والطب، والفلسفة، وغيرها من العلوم.

على الرغم من أن القرويين بدأت كمسجد، إلا أنها سرعان ما أصبحت مؤسسة تعليمية متكاملة، تضم مكتبة ضخمة ومرافق سكنية للطلاب. لعبت الجامعة دورًا حاسمًا في نشر المعرفة والثقافة في شمال أفريقيا والعالم الإسلامي، وساهمت في ازدهار الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 100 ألف مخطوطة تاريخية لا تزال محفوظة في مكتبة الجامعة حتى اليوم، مما يجعلها كنزًا ثمينًا للتراث الإنساني.

الجامعات الحديثة: تحولات جذرية وتحديات معاصرة

بالمقارنة مع جامعة القرويين، شهدت الجامعات الحديثة تحولات جذرية في الهيكل والتنظيم والمناهج. فبعد أن كانت الجامعات في العصور الوسطى تركز بشكل أساسي على العلوم الدينية والإنسانية، أصبحت الجامعات الحديثة تهتم بمجموعة واسعة من التخصصات العلمية والتكنولوجية. كما أن الجامعات الحديثة أصبحت أكثر انفتاحًا على العالم الخارجي، حيث تتعاون مع المؤسسات الصناعية والحكومية لإجراء البحوث وتطوير التقنيات الجديدة.

ومع ذلك، تواجه الجامعات الحديثة تحديات كبيرة، مثل ارتفاع تكاليف التعليم، وزيادة المنافسة على الوظائف، وتغير متطلبات سوق العمل. تشير الإحصائيات الأخيرة إلى أن نسبة الخريجين الجامعيين الذين يجدون وظائف مناسبة لمؤهلاتهم آخذة في الانخفاض في العديد من البلدان، مما يثير تساؤلات حول جدوى الاستثمار في التعليم الجامعي.

مستقبل التعليم الجامعي في 2026: نحو التعلم المدمج والمهارات الرقمية

بالنظر إلى المستقبل، من المتوقع أن يشهد التعليم الجامعي تحولات كبيرة بحلول عام 2026. ستلعب التقنيات الرقمية دورًا حاسمًا في تغيير طريقة التدريس والتعلم، حيث ستصبح الفصول الدراسية الافتراضية والواقع المعزز أدوات أساسية في العملية التعليمية. سيتم التركيز بشكل أكبر على التعلم المدمج، الذي يجمع بين التعليم التقليدي وجهًا لوجه والتعليم عبر الإنترنت.

بالإضافة إلى ذلك، ستولي الجامعات اهتمامًا أكبر بتنمية المهارات الرقمية لدى الطلاب، مثل البرمجة، وتحليل البيانات، والتسويق الرقمي. هذه المهارات أصبحت ضرورية للنجاح في سوق العمل المتغير باستمرار. تشير التوقعات إلى أن أكثر من 65% من الوظائف التي سيشغلها خريجو الجامعات في عام 2026 لم تكن موجودة قبل بضع سنوات فقط.

لذا، فإن فهم تاريخ أول جامعة في العالم ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل هو فهم للتطور المستمر للتعليم وأهميته في بناء مستقبل أفضل. يجب على الجامعات أن تتكيف مع التغيرات المتسارعة في العالم، وأن توفر للطلاب الأدوات والمهارات التي يحتاجونها للنجاح في القرن الحادي والعشرين.