لماذا يخشى حلفاء الولايات المتحدة إرسال بحريّتهم إلى مضيق هرمز؟
يتحوّل مضيق هرمز إلى محور أساسي في المعادلة الجيوسياسية مع استمرار العدوان الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية وكيان الاحتلال الإسرائيلي ضد إيران. فالممر البحري الذي يربط الخليج بخليج عُمان والمحيط الهندي، يُعد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية يومياً، ما يجعله نقطة ارتكاز في توازنات الطاقة والاقتصاد العالمي.
هذه الأهمية الاستراتيجية تجعل أي اضطراب في أمن الملاحة في المضيق ينعكس مباشرة على الأسواق الدولية. ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، تجاوز سعر برميل النفط حاجز الـ 100 دولار، في مؤشر واضح على حساسية هذا الممر البحري وتأثيره المباشر في الاقتصاد العالمي.
القوة البحرية الإيرانية في مضيق هرمز
إثر العدوان الأميركي–الإسرائيلي على إيران، تحوّل مضيق هرمز إلى إحدى ساحات الضغط الاستراتيجية في الحرب. فالممرّ البحري الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، أصبح جزءاً من معادلة الردع التي تفرضها طهران في مواجهة واشنطن وحلفائها.
ويُعد العامل العسكري أحد أبرز الأسباب التي تدفع حلفاء الولايات المتحدة الأميركية إلى التردد في إرسال قوات بحرية إلى مضيق هرمز. فالمضيق، يقع عملياً، ضمن نطاق التأثير العسكري الإيراني، حيث تمتلك طهران حضوراً عسكرياً مباشراً على ضفتيه، إضافة إلى شبكة من القدرات البحرية التي طورتها خلال الفترة الماضية.
تعتمد البحرية الإيرانية على مزيج من الصواريخ الساحلية والزوارق السريعة والطائرات المسيّرة والألغام البحرية. وفي ظل العدوان المستمرّ، رفع حرس الثورة الإسلامية في إيران سقف التهديد، معلناً أن أي سفينة تُعد جزءاً من أعداء إيران قد تصبح هدفاً مباشراً.
وأكد حرس الثورة أنه "لن يمر لتر واحد من النفط إلا بشروط إيران"، في رسالة واضحة إلى الدول التي قد تفكر في الانضمام إلى أي تحالف بحري تقوده واشنطن في المضيق.
وأشارت صحيفة "فايننشل تايمز" أنّ هذا الواقع يثير قلقاً لدى الدول التي قد ترسل سفنها العسكرية إلى المنطقة، لأن وجود هذه السفن في المضيق "قد يجعلها في مرمى الهجمات"، وقد حذرت طهران بالفعل، من أن أي سفينة تابعة لدول تشارك في التحالف قد تُعد "هدفاً مشروعاً"، ما يزيد من المخاطر العسكرية أمام الدول المشاركة.
وترى تحليلات سياسية أن طبيعة المضيق الضيقة، إلى جانب القدرات العسكرية التي طورتها إيران في محيطه، تجعل أي مواجهة بحرية قابلة للتحوّل سريعاً إلى تصعيد.
القلق من أن تتحمل أوروبا عبء المضيق وحدها
إلى جانب المخاطر العسكرية، يبرز عامل سياسي مهم في حسابات الحلفاء، فبعض الدول الغربية تخشى أن تتحول مهمة حماية المضيق إلى التزام طويل الأمد تتحمل هي عبئه لاحقاً.
وتشير تقديرات أوروبية إلى مخاوف من أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب "النصر" في الحرب خلال فترة قصيرة، ثم يترك مهمة مراقبة المضيق وتأمين الملاحة البحرية للدول الحليفة.
كما يدرك المسؤولون الأوروبيون ضرورة إدارة الموقف "بحذر" مع واشنطن، خشية توتر العلاقة مع ترامب، في وقت تبدو فيه حرب أوكرانيا على حافة تصعيد جديد.
هذا السيناريو يثير قلقاً لدى عدة عواصم أوروبية، لأن حماية مضيق هرمز لا تعني فقط إرسال سفن لفترة محدودة، بل قد تتطلب انتشاراً بحرياً دائماً لضمان استمرار تدفّق الطاقة عبر هذا الممر الحيوي.
حرب لم يشارك الحلفاء في قرارها
كما أن عدداً من الدول الحليفة يرى أن الحرب التي شنّتها أميركا على إيران، لم تكن نتيجة قرار جماعي داخل التحالفات الغربية، بل جاءت نتيجة قرار أميركي منفرد بشنّ العدوان العسكري على إيران.
وتشير صحيفة "بلومبرغ" إلى أن هذا الواقع يفسّر صعوبة حشد الحلفاء للمشاركة في العمليات العسكرية، إذ إن الدول التي لم تشارك في اتخاذ قرار الحرب تكون أقل استعداداً لتحمل تبعاتها لاحقاً.
إنّ هذا الوضع يجعل واشنطن تكتشف في كثير من الأحيان، أن عدد الحلفاء يتقلص عندما تبدأ الحروب، خصوصاً عندما يشعر الشركاء بأنهم لم يكونوا جزءاً من القرار منذ البداية.
في ظل هذه المعادلة المعقدة، تسعى الولايات المتحدة إلى حشد حلفائها لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، في وقت تؤكد فيه إيران إحكام سيطرتها على هذا الممر الحيوي ومنع سفن الدول المشاركة في العدوان من المرور عبره، ما يجعل أي انتشار عسكري أجنبي فيه محفوفاً بالمخاطر.
ضغط أميركي لتشكيل تحالف بحري
في ظل هذه المعادلة، سعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى جرّ حلفائها للمشاركة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، إذ دعا ترامب عدداً من الدول الأوروبية والآسيوية إلى إرسال قوات بحرية لحماية ناقلات النفط التي تعبر المضيق.
وقد دعا ترامب الحلفاء الأوروبيين، بما فيهم المملكة المتحدة وفرنسا، إضافة إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية، إلى الانضمام إلى تحالف لفتح مضيق هرمز.
وفي السياق، يسعى ترامب أيضاً إلى دفع الدول التي تعتمد على نفط الخليج إلى تحمّل جزء من كلفة حماية تدفّق الطاقة العالمية، في ظل الضغوط التي يواجهها داخل الولايات المتحدة نتيجة ارتفاع أسعار البنزين.
وتشير صحيفة "فايننشل تايمز" إلى أنّ ترامب حذّر من أن عدم مساعدة الحلفاء في فتح المضيق قد يكون "سيئاً للغاية لمستقبل الناتو"، في محاولة للضغط على الشركاء الغربيين للمشاركة في التحالف البحري.
ويستخدم ترامب ملف "الناتو" كوسيلة ضغط على الحلفاء لدفعهم إلى المشاركة في هذه المهمة البحرية. ويأتي هذا التهديد في سياق ضغوط متكررة مارسها ترامب على حلفائه داخل "الناتو"، كان من بينها تلويحه قبل أسابيع باستخدام القوة للاستيلاء على جزيرة غرينلاند، التابعة للدنمارك، في خطوة اعتُبرت حينها تهديداً غير مسبوق لتماسك الحلف الأطلسي.
وبحسب الصحيفة، تسعى واشنطن إلى تشكيل أسطول متعدد الجنسيات في المضيق، في محاولة لدفع الحلفاء إلى تحمّل جزء من أعباء الحرب على إيران وتأمين تدفّق الطاقة عبر هذا الممر الحيوي. وترى الإدارة الأميركية أن مشاركة عدد أكبر من الدول في هذا الانتشار البحري "قد يصعّب على إيران استهداف السفن"، غير أن هذه المساعي الأميركية لم تلقَ استجابة واسعة من الحلفاء، الذين أبدوا تردداً واضحاً في الانخراط العسكري في هذه المهمة.
الحلفاء: "هذه ليست حربنا"
في المقابل، عبّرت عدة عواصم أوروبية عن تحفظ واضح تجاه الانخراط العسكري في الحرب الحالية.
وأشارت صحيفة "نيويورك تايمز" أنّ مسؤولين أوروبيين قد أكدوا أن ما يجري "ليس حربنا"، وأن إرسال مزيد من السفن الحربية إلى المنطقة لن يسهم في خفض التصعيد.
بدوره، قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس إن ما يجري "ليس حربنا، ولم نبدأها"، مشيراً إلى أن إرسال مزيد من السفن الحربية إلى المنطقة لن يسهم في خفض التصعيد، وأنّ برلين تفضل الدفع نحو حلول دبلوماسية.
كما شدد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على أن بلاده "لن تنجر إلى الحرب الأوسع"، في حين أعلنت فرنسا أن وجودها العسكري في المنطقة يظل "ذا طابع دفاعي" وأن قواتها ستبقى متمركزة في شرق البحر الأبيض المتوسط.
كما شددت دول أوروبية على أنّ الحرب لا ترتبط بحلف شمال الأطلسي، وأنّ "الحلف لم يُنشأ لخوض حروب تختارها دولة واحدة ثم تطلب من الآخرين المشاركة فيها".
ورفض عدد من القادة الأوروبيين المشاركة العسكرية في المنطقة، إذ أكد رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس أنّ اليونان وأوروبا "لن تشاركا في أي عملية في منطقة العمليات الحالية"، مشيراً إلى أنه يشك بوجود رغبة أوروبية كبيرة في مثل هذه المهمة في الوقت الراهن.
وتشير الوقائع إلى أنّ الأولوية في أوروبا يجب أن تكون لمعالجة التداعيات الاقتصادية للحرب، ولا سيما ارتفاع أسعار الطاقة.
يعكس هذا الموقف أيضاً قلقاً أوروبياً من أن يؤدي الانخراط العسكري إلى توسيع الحرب في الخليج وغرب آسيا، خصوصاً في ظل التجارب السابقة التي خاضت فيها الولايات المتحدة الأميركية حروباً في "الشرق الأوسط" وتركت تداعيات طويلة الأمد على حلفائها.
تبدو محاولات واشنطن لحشد تحالف بحري في مضيق هرمز أكثر تعقيداً مما كانت تتوقع. فمعادلة الردع التي تفرضها إيران في هذا الممر الحيوي، والقدرات العسكرية التي طورتها في محيطه، تدفع كثيراً من حلفاء الولايات المتحدة إلى إعادة حساباتها قبل الانخراط العسكري، يفضّل عدد من الحلفاء النأي بأنفسهم عن التورط في مواجهة يدركون أن كلفتها قد تكون مرتفعة ونتائجها محفوفة بالمخاطر.الميادين