يا ظلام السجن خيم
(هذا المقال تردد على السنة توجان الفيصل.. احمد عويدي العبادي.. وها هو يصل الى محطة زكي بني أرشيد... وهو لسان حال معتقلي الرأي في الأردن)
إذا اقبل الليل، ولف المهاجع في ظلمته، وأوى الشيخ زكي بني أرشيد إلى غرفته، وأغلقت عليه الأبواب الحديدية، وداعب النوم الجفن السجين ، فتلك حكاية من حكايات الحرية، رددها الليل الحزين... على مسمع الخائفين، وبوابة الشعب الحزين...
في الليلة الأولى حدث السجن بني أرشيد عن قصص الذين تركوا فيه سنين العمر على مذبح الوطن، وفسرت له الحيطان بقايا أسمائهم التي نقشوها هناك للأبد، وكلمته الأقفال عن سجناء غرباء قلوبهم مآذن تدق بالحرية، وأسرت له الزوايا عن حكاية الدمعة الحرى التي سكبتها على موعد مع الشوق عين سجين متخف مضى، وترك في السجن حلمه، والدمعة المقتولة تطلع في كل يوم في حلق السجانين، فالسجن سجل وطني...
في كل مكان قصة، وعلى كل حيط نقش وطني.
الأماكن لا تنسى، وهي تحدث عن ساكنيها، هل هي خزانة الحزن الوطني، ام سجل المعذبين؟؟؟
أما الساحة فما زالت تردد أسماء من عذبوا فوقها على خجل، وتعترف بصرخاتهم. وهناك تلك الشبابيك سودتها قصص من "شبحوا" عليها.
وكل بلاطة تحمل قصة معذب، عذبه عذاب شعبه، وعذبه نسيان شعبه لعذابه.
والسجن يحكي، ويحكي، وعين بني ارشيد كلما حط عليها النوم جاءتها روح سجين سابق تداعب أحلامها، وتقرأ عليه السجل الوطني منذ أول الوطن، فالسجن سجل وطني، ارواح السجناء فيه حرة تحلق في سماء الوطن الابهى.
العذابات في السجن لا تموت.. لأنها صارت من الأملاك الوطنية، والسجان، والقفل، والكلبشات، وموعد الزيارة، ووقت التفتيش، والغرفة، والشاويش، والبربيش، ودمعة الأم، ، والابن، والأخ، والوالد، والزوجة، والاحتقار، والأمراض المعدية، والغرف التي تنظفها دموع المساجين، ووقت الغياب، وقطع الكهرباء، وهبوط الليل على جدران المعتقل، والنجمة التي لمعت من السماء، وتراءت من طاقة الباب الحديدي، وهمسها للسجين أن روحه حرة.
"إن كل ثانية أخذت من عمر صاحب رأي هي أمانة في عنق الأردنيين".
كل شيء يحدث بني ارشيد عن نفسه، وكل دمعة تدل الشيخ زكي على مكانها، وكل صرخة تزوره حارة وما تزال تحمل هم صاحبها، وتعلن أن عمر السجين لم يذهب هدرا، وانه في ذمة الشعب.
احمد الدقامسة يحط في كل مكان، وفي كل الأرجاء، وتحمل الأماكن عطره، والباقورة التي نقشها على جدار القلب ما زالت على الجدار، من بعيد يلوح مجلس ليث الذي قبع فيه وحيدا، بقي وحيدا، وجريدته التي قرأها ذات يوم ربيعي في الشمس أمام الزنزانة "هـ" ما زالت تقرأ نفسها.
حقا إن عمر السجناء لم يذهب هدرا ...حنت الجدران على أصحابها ، والأقفال والشبابيك تحمل آثار من كانوا بها يعدون أيامهم، يرسمون بالوقت، والهم، والحزن المستقبل المفقود، هكذا حدث السجن بني ارشيد في لياليه المالحة.
وفي اليوم الثاني أغمض الشيخ زكي بني ارشيد عينيه على الجرح، وأوى إلى النوم متعبا، وهو الذي يحمل فوق عمره المتعب سنة ونصف السنة من السجن تمضيان في عمر الوطن، " من الأقفال، والأبواب الحديدية، والجدران، والنجمة التي لمعت من طاقة الباب الحديدي، وكل السنوات السجينة لسجناء مضوا تحيط بغرفته، وتحميه من أصوات النكران السياسي التي تكلم بها الغدر الخسيس ، ومضت الأيام تسجن زكي، وزكي يسجن السجن."
وكل يوم يأتي محملا بالاستفهام من يسجن من ؟؟؟ ويترك كلمة جديدة في حكاية الحرية ، وذلك القلب الذي قهروه حينما انتصرت القلوب، وزكي لحظة بلحظة يكتب القصة لا دمعة فيها، وهي تذوب بشمسها البحار، في درب الحرية الذي تعبده الأجساد والأشلاء تسمو التضحيات وتقدم أول الحلم، وأول الحزن، وأغنية للوطن، وشاطئا لا يعود.
في معركة يربحها الجسد، حيث لا سيوف، ولا خناجر، والكلمات قتيلة، والشموع خافتة، في ساعة تغتسل فيها المبادئ بماء العمر الهارب من سجن الجسد، ما زال سجناء الرأي يحملون سيفا لكل معاركنا، ما زالوا يتمردون فينا لغة تودع اكبر آلامها وتنعتق. أما نحن فقد قتلنا بالصمت صوت الألم في كل اللغات على أن سجنهم سجل وطني.... فهم الذين لن تضيع نضالاتهم، لن تغيبهم السجون، ويظلون يمضون على دروب الحرية حكايات بقامة وطن.
وغدا يطلع الف زكي بني ارشيد من كل الحارات، والأزقة، والدور، وبيوت الشعر، والأرياف والمحافظات، والجوع الشعبي ، والألم على كل الوجوه السمر الطيبة، وفي كل مشوار، وعلى كل لسان قصيدة، وفي كل عين دمعة، فالسجين السياسي ليس عابرا أو محطة غضب مؤقت، وإنما هو قضية شعب تهافت الفاسدون على خبزه، ودمه، واقتسموا على التوالي مأساة روحه المحطمة.
وآوى زكي إلى جرحه. ويقولون أن أنشودة الحرية تنطلق من غرفته عبر نوافذ السجن، ويسمعها كل السجناء، وان القمر يلقي عليه مسحة من النور، والضياء، انشدت معه الصحراء... يا ظلام السجن خيم خيم.
ولذا نمت أزاهير الحرية على الطرقات.
الكل يؤكد انه سمع الأنشودة، وان زهرة في داخله نمت اثر ذلك. ارجع يا ابا انس أينما انتهى بك المشوار...
ارجع فالطعنة لا يمكن أن تقتل وطنا مات كثيرا. وإياك أن تتذكر القيود، ارمها عند بوابة السجن، فما القيد بدائم، وقد أزهر الربيع من نبع العيون.








