المجالي: القوى السياسية إما تكلست أو تخشى المراجعات
جو 24 : أكد المهندس عبد الهادي المجالي رئيس حزب التيار الوطني أنَّ قُوانا السياسية، إما "تكلَّست" وإما تخشى أن تُراجعَ نفسَها، وتكشفَ عيوبَها.. وكي لا أظلِم، فقط، أشيرُ إلى تجربتي المغربِ وتونُس، فهُما لا تشذَّانِ كثيرا عن النمطِ المعمَّمِ على العالمِ العربي،، لكنَّهُما استفادتا مِن تجربتَيهِما، وتجاربِ الآخرين.
وأضاف في كلمة القاها خلال ندوة الشركة السياسية التي نظمها مركز دراسات الشرق الاوسط صباح اليوم في فندق الريجنسي إن القُوى السياسية، عليها أنْ تُدرِكَ واقعَها وتراجِعَه، وتستكشفَ نقاطَ ضعفِها، وسببَ عدمِ قُدرتِها على التقدمِ خطواتٍ إلى الأمامِ، فذلك، مُهِمٌّ ومُفيد، في معالجةِ الجزءِ المتعلقِ بها مِنَ الخللِ، لأنَّ تجاوزَ إشكالياتِها خطوةُ ضروريةٌ في طريقِ إقناعِ أنظمةِ العالمِ العربيِّ.
وتاليا نص الكلمة التي القاها المجالي :
الإخوةُ في مركزِ دراساتِ الشرقِ الأوسطِ المحترمون...
الأخواتُ والإخوةُ الحضور المحترمون...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
ماذا نقصِدُ بالشراكةِ السياسية؟ هل نقصدُ إبداءَ الرأيِ وإسداءَ النُصحِ.. فقط؟ أمِ المشاركةَ في صناعةِ القرار، ومِن ثمَّ المشاركةَ في تنفيذِه..؟
كما نسألُ: أيٌّ مِنَ القُوى المجتمعيةِ والسياسيةِ نُريدُ شراكتَها: أحزاب؟ نقابات؟ أم مؤسساتِ مجتمعٍ مدني؟ على ما في هذا المفهومِ مِن اتساع..؟
إن كان الأمرُ كذلك، فما هيَ المعاييرُ والأسسُ التي تُمهِّدُ لهذِهِ الشراكةِ عند الطرفين: السلطةُ والقوى السياسيةَ والمجتمعِيَّة..؟
في البدءِ، وقبل إجابةِ تلك الأسئلة، لابد من التأكيدِ على حقيقةٍ تاريخيةٍ، وهي أن فترةَ النضال العربي لتحقيقِ الاستقلال، أبرزتْ العديد من الأحزابِ القويةِ التي قادتْ نضالاً معتبراً لـ"كنسِ" الاستعمار، ونجحتْ في تحقيقِ شراكاتٍ ذات صلةٍ بالناس، وحتى مع قُوى داخلَ السلطة لإنجاحِ تلك النضالات، وبرزتْ آنذاك العديد من الأحزابِ القوميةِ والبعثيةِ واليساريةِ الفاعلةِ والتي أحدثتْ الكثير من الفروقاتِ الواضحةِ في المسارِ النضاليِ التحرري.
لكن بعد ذلك، وعندما تولتْ بعضْ من هذه الأحزاب والقوى السياسية الحكم، أو شاركت فيه كقوة رئيسية، لم تنجحْ لا في بناءِ شراكاتٍ مع القُوى السياسية خارجَ السلطة، أو مع القاعدةِ الاجتماعيِّ، وبدا انها فشلتْ في مقاربةِ الحلولِ للمشكلاتِ اليوميةِ والمعيشية، وحتى مع المشكلاتِ السياسيةِ والاقتصاديةِ الكبرى، فأصاب تلك الأحزابَ وقواها ما يمكن وصفه بالشللِ الذي أفضى إلى إقصاءِ الآخر، وإلى قدرٍ كبيرٍ من التضييقِ عليه في مساحةِ الشراكةِ معه، لنجد أنفسنا الآن نُعاني من معضلةِ الشراكةِ وغيابِها.
وبالعودةِ إلى تلك الأسئلة، فان الضرورةَ تُحتمُ إجابتَها، لأنَّ في إجابتِها مدخلُنا المهمُّ في فهمِ الشراكةِ السياسيةِ في الوطنِ العربي: فهمِ واقِعِها، وفهمِ مآلاتِها، وبأيِّ الاتجاهاتِ تسير، والأهم، فهمُ البيئةِ الموضوعيةِ التي تتحركُ خلالَها، وما إذا توافرتْ شروطُ الشراكةِ عند أطرافِها، ومدى استعدادِ كلّ طرفٍ لتقبُّلِ الآخر، ومدى إيمانِهِ بتداولِ السلطةِ، واحترامِ مفهومِ الأغلبيةِ والأقلية.
واقعيا، لم تُؤمن الأنظمةُ في العالمِ العربيِّ بعدُ بالشراكةِ السياسيةِ كما تقتضيها المعاييرُ والاشتراطاتُ اللازمةُ والمُلزِمَة، فتلكَ الأنظمةُ ترزحُ تحت سيطرةِ الرغبةِ الشديدةِ في الهيمنةِ على القرارِ بكلِّ أشكالهِ، ولا يُسعِفُها التفكيرُ العقلانيُّ على الانخراطِ في شراكاتٍ مع الآخر، وتقبلِّ برنامَجِهِ ووجهةِ نظرهِ، لأنّها لا تؤمِنُ بسدادِ أيِّ رأيٍ إلاّ رأيَها، ولا تؤمنُ بأنَّ الشعوبَ يُمكِنُها أنْ تُفرِزَ قُواها القادرةَ على القيادة، والمشاركةِ في إدارةِ الحكم.
لذلك؛ فأكثرُ ما تحرِصُ عليهِ تلكَ الأنظمة، أنْ تصوغَ دساتيرَها، وقوانينَها، وتُديرَ بيئاتِها السياسيةِ على النحوِ الذي يضمنُ لها تلكَ الهيمنة، أكانت هيمنةً مُطلقةً لا شراكَةَ لأيِّ طرفٍ فيها، أو هيمنةً مدروسةً ومنتقاة، تستحضِرُ قوى سياسيةً بعينِها لتُشارِكَها، ديكوريا، في اللعبةِ السياسية، وتكون مُطمئِنةً لها..
ولإبقائِها ضمنَ النطاقِ المرسوم، فقد أوجدتْ تلكَ الأنظمةُ كلَّ أسبابِ ضعفِ تلك القوى، وبالتالي أخذت- أي تلك القُوى- تُشاركُ في اللعبةِ من موقِعِ الضعفِ لا القوةِ، ما جعلَ تأثيرَها هامشيّا، يخدِمُ شرعيةَ الأنظمةِ ولا يخدِمُ صالحَ الناس.
وإذا ما نظرنا؛ في واقعِ أغلبِ - ولن أقولَ جميعَ- الدولِ العربيةِ، وقيَّمْنا، سياسيا، طبيعةَ الشراكاتِ فيها، نجدُ أنَّ التشوهاتِ والاختلالاتِ مميزةٌ لها، ونكتشفُ أنَّ مسألةَ الشراكةِ السياسيةِ، بمعناها الحقيقي، ليست في ذهنيةِ أنظِمَتِها..
بل تعملُ، باستمرار، لتأكيدِ ألاَّ شرعيةً ناجزةً إلا شرعيتُها، وأنَّ تركَها هامشاً للقُوى السياسيةِ كي تتحرك، ليس من قبيلِ إدراكِ الحاجةِ لحركةٍ مؤثرةٍ منها تُعينُها على تصريفِ شؤونِ الدولة، وتساعدُ في صياغةِ برامجِها للنهوضِ وإدامةِ التقدمِ، وإنما لغاياتٍ إعلاميةٍ- سياسيةٍ مقصدُها الأساسُ إحداثُ اختلالاتٍ في البناءِ الفكريِّ وإرباكِ الوعي، بما يضمَنُ ألا تصبحَ هناك حالةٌ فكريةٌ متماسكةٌ أو حالةُ وعيٍ عميقةٍ ترفضُ الواقعَ الراهن، وتتحركُ لتفرضَ واقعا متخَيَّلا.
وفي كلِّ مرةٍ، وأقصدُ في سنواتٍ عديدةٍ سابقةٍ، صعدت فيها قوى سياسية، في اكثر من بلدٍ عربيّ، وفُرِضتِ الشَّراكةُ على الأنظمة، إلاّ وانتكسَتِ التجرِبةَ..
ليس لأنَّ تلكَ القوى لا تحملُ برامجَ أو رؤيةً، وإنما لأنَّ الأنظمةَ آنذاك لم تحتمِلْ هذِهِ الشراكات، فأوجدَت كلَّ الظروفِ لتنقلبَ على تلك التجارب؛ ما أدخلَ العالمَ العربيَّ في حالاتِ مدٍّ وجزرٍ بينَ القُوى السياسيةَ والأنظمة، ولأن القُوى السياسيةَ لم تُجذِّرْ ذاتَها فقد فشِلتْ في مجابهَةِ ظروفِ دحرِها، وفشلت- لاحقا- في إنتاجِ وإبداعِ الجديدِ من الأنماطِ السياسيةِ التي تُوسِّعُ مِن تأثيرِها وتزيدُ من حاضِنَتِها الشعبية.
فإذا لَمْ تحدُثِ الشَّراكاتُ السياسيةُ الحقيقية، وليس الديكورية، في فترةِ صعودِ القُوى السياسية، اليساريةِ والقوميةِ، فإنَّ الواقعَ الراهنَ لن يقلَّ في صعوبتِهِ عن ذلكَ الواقعِ الفائت، والمعضلةُ الحقيقيةُ أنَّ الأنظمةَ العربية كلَّها، تقريبا، دخلتْ عصرَ الديمقراطية، أو بالأصحِّ أنها أخذتْ مِنَ الديمقراطيةِ قشرتَها الخارجية(...) وخشِيَتْ مِنْ أنْ تبنيَ مضامينَها العميقة، لأنَّ في تلكَ المضامينِ تكمُنُ الشَّراكةُ الحقيقيةُ والصَّلبَة، وتتوزعُ المهامُّ والمسؤوليات.
الأخوات، والإخوة،،
منذُ ما سُميَّ "الربيعَ العربي" جرتْ مياهٌ كثيرةٌ من تحتِ الجسرِ، سقطتْ أنظمة، وتزحزحتْ أخرى، وأخرى لا زالت تقاومُ التغيير، والأفُقُ فيها كلِها غامض، وتعتريها حالةٌ من عدمِ اليقين.
وفي هذا "الربيعِ" تظهَرُ حقيقةٌ جليةٌ لا يُمكِنُ إنكارُها، أو التجاوزُ عن مدلولاتِها، وهي أن الشارعَ الذي تحركَ لم يكنْ شارعَ القُوى السياسيةِ، بكلِّ تصنيفاتِها، كان الذي تحركَ شعوبٌ تجاوزتِ الأحزابَ وكلَّ القُوى السياسية، وخرجتْ تبحثُ في البدايةِ عن الشَّراكةِ..
..نلحظُ أنَّ بعضَ الأنظمةِ استجابتْ لمطلبِ الشراكة، وبعضَها قاومتْ هذا المطلبَ وتصدَّتْ له، فأُريقَ الدم، وهي، أي الأنظمة، إما سقطتْ أو على وشك.
إن التجاوزَ الشعبيَّ للقُوى السياسية، يكشفُ أنَّ هذهِ القُوى لم تعُدْ خيارَها الحقيقي، ولم تعُدْ تُلبي طموحاتِه، ولم تعُد تثِقُ بقدراتِهِا، أو أنَّ لديها الحلولُ لمشاكلِها.. مع ذلك تحركتْ القُوى السياسيةُ لتلحقَ بحركةِ الشعوبِ، والملفتُ أن هذه القُوى لم تتوقفْ لحظةً لتدرسَ سببَ تجاوزِ الشارعِ لها!
ولم تجرِ مراجعاتٌ صحيحةٌ لتستكشِفَ أسبابَ عدمِ إيمانِ الناسِ بها وبدورِها..
بل مضتْ بذاتِ الآلياتِ، وبذاتِ الأنماطِ الفكرية، وحتى بعدَ أن استقرَّتِ الأمور، ولو نسبيا، في عددٍ مِنَ الأنظمةِ لمْ تحدُثْ المراجعاتُ الضروريةُ التي قد تُؤسِّسُ لانطلاقةٍ جديدةٍ مختلفةٍ وذاتِ جدوى..
إنَّ في هذا لَقُصورٌ كبير، وخللٌ، يكشِفُ أنَّ قُوانا السياسية، إما "تكلَّست" وإما تخشى أن تُراجعَ نفسَها، وتكشفَ عيوبَها.. وكي لا أظلِم، فقط، أشيرُ إلى تجربتي المغربِ وتونُس، فهُما لا تشذَّانِ كثيرا عن النمطِ المعمَّمِ على العالمِ العربي، لكنَّهُما استفادتا مِن تجربتَيهِما، وتجاربِ الآخرين، وتحاولان الإفلاتَ منَ المآزقِ والمنزلقاتِ المحتملة.
وبقدرِ ما كشفَ "الربيعُ العربيُّ" ضعفَ القُوى السياسيةِ وعدمِ قدرتِها على استيعابِ المتغيراتِ ومُجاراتِها، كشفَ -أيضا- أنَّ الدولةَ العميقةَ راسخةٌ ومتجذرة، ولَها ثقلُها وأنماطُها وآلياتُها للمحافظةِ على كينونَتِها، ومجابهةِ التغييرِ وقُواه.. فهِي، أي الدولةُ العميقة، وتحتَ ضغطِ الواقعِ قبِلَتْ أن ترى القُوى السياسيةَ تنشطُ في محيطِ سيطرتِها لا في صُلبِها، وفي اللحظةِ التي بلغتْ هذهِ القُوى صُلبَ الحكمِ أُطيحَ بها، لأنّ الدولةَ العميقة، في العمومِ، لا تقبلُ أن يُزاحِمَها أيُّ مكونٍ سياسيٍّ على التحكمِ بصُلبِ الدولةِ وعَصبِها الرئيس.
وهذا بذاتِه، يدلُّ على أنَّه برغمِ محركاتِ "الربيعِ العربي"، وبرغمِ ما أحدثَهُ مِن هزٍّ لأركانِ الدولِ، وإسقاطِ بعضِها، إلاّ أنَّ هذهِ الدول، بما فيها التي سقطَ رأسُها، بقيتْ بُناها وآلياتُها فاعلة، وقادرةً على احتواءِ التغييراتِ، ومِن ثُمَّ الانقضاضِ عليها لتصفيَتِها، مِن غيرِ أن تُفكِّرَ في تغييرِ قواعدِ اللُّعبة، والتأسيسِ لشراكاتٍ معَ الآخر.
الأخوات والإخوة،،
علينا أنْ نُدركَ، وبوضوح، أنَّ بيئةَ الشراكاتِ في العالمِ العربيِّ غيرُ متوفرة، ولا أظُنُها وشيكة، وكلُّ ما هو متاح، ليسَ أكثرَ مِن شَراكاتٍ جزئيةٍ، مُتَحَكَّمٍ بها، ومنسقة، فهذا أقصى ما تستطيعُ الأنظمةُ أن تتعايشَ معَه، وتقبلَ بِه، وعدا ذلكَ ليسَ متاحا، ولو كانَ متاحا لكان أداءُ الأنظمةِ العربيةِ على درجةٍ مِنَ الاختلافِ..
وأيُّ اختلافٍ في أداءِ الأنظمة، يُفضي إلى الشَّراكةِ، سيعني، بالضرورةِ، ولوجَ عصرِ الديمقراطيةِ، ولوجاً حقيقيا، لا تَلاعُبَ فيه، أو محاولة التحكُّمِ في إفرازاته.. ومثلُ هذهِ الديمقراطية، لها أداتُها المجَرَّبَةُ في التأسيسِ للشَّراكةِ.. وأهمُّ أدواتِها، صندوقُ الاقتراع.
والمقصودُ هنا، الانتخاباتُ بكلِّ تصنيفاتِها- فهيَ المدخلُ إلى الشَّراكةِ السياسية، لأنَّ الأنظمةَ التي تقبلُ بعمليةٍ انتخابيةٍ شفافةٍ ونزيهة، وأسَّستْ لها بيئةً سياسيةً وتشريعيةً مناسبة، هي التي تُريدُ الشَّراكة، وتسعى إليها، وهي التي تقبلُ بفتحِ السلطةِ للقُوى الفائزة، في سياقِ تداولٍ سلميٍّ للسُّلطةِ.
بغيرِ ذلكَ لن تكونَ لدينا، في الوطنِ العربي، أيُّ قُوى سياسيةٍ صلبةٍ متماسكة، فتداولُ السلطةَ يُثري تجربةَ هذهِ القُوى، ويختبرُ ما لديها من برامجَ وتوجهاتٍ واجتهادات..
وحتى لو لم تبلغْ هذهِ القُوى، أو بعضُها، السلطة، فهي، بالانتخابِ وتمثيلِ الناسِ، تنتقِلُ من الحالةِ الهامشيةِ الطرفيةِ في الدولةِ، إلى فاعلٍ مؤثر، إن لم تملكِ السلطةَ بالتداولِ، ستملِك بعضَ أدواتِها، وفي أقلِّها التشريعيةَ والرقابية.
وهذهِ المسألةُ تحديدا، اعتقدُ بحتميَّتِها، وإذا لم تكنْ وشيكةً بالنظرِ إلى الواقعِ الراهن، فحركةُ التاريخِ لا تعودُ إلى الوراءِ ولا تتجمَّدُ عندَ لحظةٍ معينة، بل هيَ حركةٌ مستمرةٌ دائمة، تُسهِمُ في بناءِ الوعيِ وتُعظِّمُ قدراتِ التفكير. وأنظمةُ الوطنِ العربي، أكثرُ مَن عليها أن تلتفِتَ إلى حركةِ التاريخِ واستحالةِ الثباتِ وإدامةِ الراهن..
والقُوى السياسية، أكثرُ من عليها أنْ تُدرِكَ واقعَها وتراجِعَه، وتستكشفَ نقاطَ ضعفِها، وسببَ عدمِ قُدرتِها على التقدمِ خطواتٍ إلى الأمامِ، فذلك، مُهِمٌّ ومُفيد، في معالجةِ الجزءِ المتعلقِ بها مِنَ الخللِ، لأنَّ تجاوزَ إشكالياتِها خطوةُ ضروريةٌ في طريقِ إقناعِ أنظمةِ العالمِ العربيِّ أنْ ليس بمقدورِها التجاوزَ عنها لزمنٍ طويلٍ.. وليس متاحا لها أن تُقصيها وتُهمِّشَها إلى الأبدِ.
الأخوات والإخوة،،
الشَّراكةُ السياسية، ليست ترفا، بل حاجةٌ وضرورة.. ومن المؤسفِ أنَّ لا أساسا موضوعيا لها بعدُ في الوطنِ العربي، ولا أدري بأيِّ السبلِ يُمكن أنْ تقتنِعَ الأنظمةُ العربية، بلزومِ المبادرةِ إلى تعبيدِ طريقِ الشَّراكةِ لجعلِها واقعا معاشا.. وأن تقتنِعَ بأنَّ ضَعفَ العالمِ العربيِّ والهيمنةَ الغربيةَ عليها تعودُ في أحدِ أسبابِها إلى انعدامِ الشّراكةِ الحقيقية؛ التي لو توفرتْ لكانتْ عونا للأنظمةِ في مقاومةِ كلِّ هيمنةٍ خارجية..
وإلى أن تصِلَ الأمورُ إلى اقتناعِ الأنظمةِ والقُوى السياسيةِ بأهميةِ مراجعةِ واقِعِها، هذا إذا اقتعنتْ بالأساسِ بقيمةِ المراجعة، فإنّي اقترِحُ على هذهِ النخبةِ الطيبةِ أنْ تُشكِّلَ فريقا خبيرا متمكنا يدرسُ حالةَ الشَّراكةِ السياسيةِ في الوطنِ العربي، ويُشخِّصُها تشخيصا دقيقا، ويضعُ لنا تصوراتِه، وما يجبُ فعلُهُ لإعادةِ بناءِ الواقعِ مِن جديدٍ وعلى أساسِ التشاركيةِ الفُضلى.
أشكرُ للداعينَ كريمَ دعوتِهِم، وللحضورِ كريمَ اهتمامِهِم..
والسلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاته
وأضاف في كلمة القاها خلال ندوة الشركة السياسية التي نظمها مركز دراسات الشرق الاوسط صباح اليوم في فندق الريجنسي إن القُوى السياسية، عليها أنْ تُدرِكَ واقعَها وتراجِعَه، وتستكشفَ نقاطَ ضعفِها، وسببَ عدمِ قُدرتِها على التقدمِ خطواتٍ إلى الأمامِ، فذلك، مُهِمٌّ ومُفيد، في معالجةِ الجزءِ المتعلقِ بها مِنَ الخللِ، لأنَّ تجاوزَ إشكالياتِها خطوةُ ضروريةٌ في طريقِ إقناعِ أنظمةِ العالمِ العربيِّ.
وتاليا نص الكلمة التي القاها المجالي :
الإخوةُ في مركزِ دراساتِ الشرقِ الأوسطِ المحترمون...
الأخواتُ والإخوةُ الحضور المحترمون...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
ماذا نقصِدُ بالشراكةِ السياسية؟ هل نقصدُ إبداءَ الرأيِ وإسداءَ النُصحِ.. فقط؟ أمِ المشاركةَ في صناعةِ القرار، ومِن ثمَّ المشاركةَ في تنفيذِه..؟
كما نسألُ: أيٌّ مِنَ القُوى المجتمعيةِ والسياسيةِ نُريدُ شراكتَها: أحزاب؟ نقابات؟ أم مؤسساتِ مجتمعٍ مدني؟ على ما في هذا المفهومِ مِن اتساع..؟
إن كان الأمرُ كذلك، فما هيَ المعاييرُ والأسسُ التي تُمهِّدُ لهذِهِ الشراكةِ عند الطرفين: السلطةُ والقوى السياسيةَ والمجتمعِيَّة..؟
في البدءِ، وقبل إجابةِ تلك الأسئلة، لابد من التأكيدِ على حقيقةٍ تاريخيةٍ، وهي أن فترةَ النضال العربي لتحقيقِ الاستقلال، أبرزتْ العديد من الأحزابِ القويةِ التي قادتْ نضالاً معتبراً لـ"كنسِ" الاستعمار، ونجحتْ في تحقيقِ شراكاتٍ ذات صلةٍ بالناس، وحتى مع قُوى داخلَ السلطة لإنجاحِ تلك النضالات، وبرزتْ آنذاك العديد من الأحزابِ القوميةِ والبعثيةِ واليساريةِ الفاعلةِ والتي أحدثتْ الكثير من الفروقاتِ الواضحةِ في المسارِ النضاليِ التحرري.
لكن بعد ذلك، وعندما تولتْ بعضْ من هذه الأحزاب والقوى السياسية الحكم، أو شاركت فيه كقوة رئيسية، لم تنجحْ لا في بناءِ شراكاتٍ مع القُوى السياسية خارجَ السلطة، أو مع القاعدةِ الاجتماعيِّ، وبدا انها فشلتْ في مقاربةِ الحلولِ للمشكلاتِ اليوميةِ والمعيشية، وحتى مع المشكلاتِ السياسيةِ والاقتصاديةِ الكبرى، فأصاب تلك الأحزابَ وقواها ما يمكن وصفه بالشللِ الذي أفضى إلى إقصاءِ الآخر، وإلى قدرٍ كبيرٍ من التضييقِ عليه في مساحةِ الشراكةِ معه، لنجد أنفسنا الآن نُعاني من معضلةِ الشراكةِ وغيابِها.
وبالعودةِ إلى تلك الأسئلة، فان الضرورةَ تُحتمُ إجابتَها، لأنَّ في إجابتِها مدخلُنا المهمُّ في فهمِ الشراكةِ السياسيةِ في الوطنِ العربي: فهمِ واقِعِها، وفهمِ مآلاتِها، وبأيِّ الاتجاهاتِ تسير، والأهم، فهمُ البيئةِ الموضوعيةِ التي تتحركُ خلالَها، وما إذا توافرتْ شروطُ الشراكةِ عند أطرافِها، ومدى استعدادِ كلّ طرفٍ لتقبُّلِ الآخر، ومدى إيمانِهِ بتداولِ السلطةِ، واحترامِ مفهومِ الأغلبيةِ والأقلية.
واقعيا، لم تُؤمن الأنظمةُ في العالمِ العربيِّ بعدُ بالشراكةِ السياسيةِ كما تقتضيها المعاييرُ والاشتراطاتُ اللازمةُ والمُلزِمَة، فتلكَ الأنظمةُ ترزحُ تحت سيطرةِ الرغبةِ الشديدةِ في الهيمنةِ على القرارِ بكلِّ أشكالهِ، ولا يُسعِفُها التفكيرُ العقلانيُّ على الانخراطِ في شراكاتٍ مع الآخر، وتقبلِّ برنامَجِهِ ووجهةِ نظرهِ، لأنّها لا تؤمِنُ بسدادِ أيِّ رأيٍ إلاّ رأيَها، ولا تؤمنُ بأنَّ الشعوبَ يُمكِنُها أنْ تُفرِزَ قُواها القادرةَ على القيادة، والمشاركةِ في إدارةِ الحكم.
لذلك؛ فأكثرُ ما تحرِصُ عليهِ تلكَ الأنظمة، أنْ تصوغَ دساتيرَها، وقوانينَها، وتُديرَ بيئاتِها السياسيةِ على النحوِ الذي يضمنُ لها تلكَ الهيمنة، أكانت هيمنةً مُطلقةً لا شراكَةَ لأيِّ طرفٍ فيها، أو هيمنةً مدروسةً ومنتقاة، تستحضِرُ قوى سياسيةً بعينِها لتُشارِكَها، ديكوريا، في اللعبةِ السياسية، وتكون مُطمئِنةً لها..
ولإبقائِها ضمنَ النطاقِ المرسوم، فقد أوجدتْ تلكَ الأنظمةُ كلَّ أسبابِ ضعفِ تلك القوى، وبالتالي أخذت- أي تلك القُوى- تُشاركُ في اللعبةِ من موقِعِ الضعفِ لا القوةِ، ما جعلَ تأثيرَها هامشيّا، يخدِمُ شرعيةَ الأنظمةِ ولا يخدِمُ صالحَ الناس.
وإذا ما نظرنا؛ في واقعِ أغلبِ - ولن أقولَ جميعَ- الدولِ العربيةِ، وقيَّمْنا، سياسيا، طبيعةَ الشراكاتِ فيها، نجدُ أنَّ التشوهاتِ والاختلالاتِ مميزةٌ لها، ونكتشفُ أنَّ مسألةَ الشراكةِ السياسيةِ، بمعناها الحقيقي، ليست في ذهنيةِ أنظِمَتِها..
بل تعملُ، باستمرار، لتأكيدِ ألاَّ شرعيةً ناجزةً إلا شرعيتُها، وأنَّ تركَها هامشاً للقُوى السياسيةِ كي تتحرك، ليس من قبيلِ إدراكِ الحاجةِ لحركةٍ مؤثرةٍ منها تُعينُها على تصريفِ شؤونِ الدولة، وتساعدُ في صياغةِ برامجِها للنهوضِ وإدامةِ التقدمِ، وإنما لغاياتٍ إعلاميةٍ- سياسيةٍ مقصدُها الأساسُ إحداثُ اختلالاتٍ في البناءِ الفكريِّ وإرباكِ الوعي، بما يضمَنُ ألا تصبحَ هناك حالةٌ فكريةٌ متماسكةٌ أو حالةُ وعيٍ عميقةٍ ترفضُ الواقعَ الراهن، وتتحركُ لتفرضَ واقعا متخَيَّلا.
وفي كلِّ مرةٍ، وأقصدُ في سنواتٍ عديدةٍ سابقةٍ، صعدت فيها قوى سياسية، في اكثر من بلدٍ عربيّ، وفُرِضتِ الشَّراكةُ على الأنظمة، إلاّ وانتكسَتِ التجرِبةَ..
ليس لأنَّ تلكَ القوى لا تحملُ برامجَ أو رؤيةً، وإنما لأنَّ الأنظمةَ آنذاك لم تحتمِلْ هذِهِ الشراكات، فأوجدَت كلَّ الظروفِ لتنقلبَ على تلك التجارب؛ ما أدخلَ العالمَ العربيَّ في حالاتِ مدٍّ وجزرٍ بينَ القُوى السياسيةَ والأنظمة، ولأن القُوى السياسيةَ لم تُجذِّرْ ذاتَها فقد فشِلتْ في مجابهَةِ ظروفِ دحرِها، وفشلت- لاحقا- في إنتاجِ وإبداعِ الجديدِ من الأنماطِ السياسيةِ التي تُوسِّعُ مِن تأثيرِها وتزيدُ من حاضِنَتِها الشعبية.
فإذا لَمْ تحدُثِ الشَّراكاتُ السياسيةُ الحقيقية، وليس الديكورية، في فترةِ صعودِ القُوى السياسية، اليساريةِ والقوميةِ، فإنَّ الواقعَ الراهنَ لن يقلَّ في صعوبتِهِ عن ذلكَ الواقعِ الفائت، والمعضلةُ الحقيقيةُ أنَّ الأنظمةَ العربية كلَّها، تقريبا، دخلتْ عصرَ الديمقراطية، أو بالأصحِّ أنها أخذتْ مِنَ الديمقراطيةِ قشرتَها الخارجية(...) وخشِيَتْ مِنْ أنْ تبنيَ مضامينَها العميقة، لأنَّ في تلكَ المضامينِ تكمُنُ الشَّراكةُ الحقيقيةُ والصَّلبَة، وتتوزعُ المهامُّ والمسؤوليات.
الأخوات، والإخوة،،
منذُ ما سُميَّ "الربيعَ العربي" جرتْ مياهٌ كثيرةٌ من تحتِ الجسرِ، سقطتْ أنظمة، وتزحزحتْ أخرى، وأخرى لا زالت تقاومُ التغيير، والأفُقُ فيها كلِها غامض، وتعتريها حالةٌ من عدمِ اليقين.
وفي هذا "الربيعِ" تظهَرُ حقيقةٌ جليةٌ لا يُمكِنُ إنكارُها، أو التجاوزُ عن مدلولاتِها، وهي أن الشارعَ الذي تحركَ لم يكنْ شارعَ القُوى السياسيةِ، بكلِّ تصنيفاتِها، كان الذي تحركَ شعوبٌ تجاوزتِ الأحزابَ وكلَّ القُوى السياسية، وخرجتْ تبحثُ في البدايةِ عن الشَّراكةِ..
..نلحظُ أنَّ بعضَ الأنظمةِ استجابتْ لمطلبِ الشراكة، وبعضَها قاومتْ هذا المطلبَ وتصدَّتْ له، فأُريقَ الدم، وهي، أي الأنظمة، إما سقطتْ أو على وشك.
إن التجاوزَ الشعبيَّ للقُوى السياسية، يكشفُ أنَّ هذهِ القُوى لم تعُدْ خيارَها الحقيقي، ولم تعُدْ تُلبي طموحاتِه، ولم تعُد تثِقُ بقدراتِهِا، أو أنَّ لديها الحلولُ لمشاكلِها.. مع ذلك تحركتْ القُوى السياسيةُ لتلحقَ بحركةِ الشعوبِ، والملفتُ أن هذه القُوى لم تتوقفْ لحظةً لتدرسَ سببَ تجاوزِ الشارعِ لها!
ولم تجرِ مراجعاتٌ صحيحةٌ لتستكشِفَ أسبابَ عدمِ إيمانِ الناسِ بها وبدورِها..
بل مضتْ بذاتِ الآلياتِ، وبذاتِ الأنماطِ الفكرية، وحتى بعدَ أن استقرَّتِ الأمور، ولو نسبيا، في عددٍ مِنَ الأنظمةِ لمْ تحدُثْ المراجعاتُ الضروريةُ التي قد تُؤسِّسُ لانطلاقةٍ جديدةٍ مختلفةٍ وذاتِ جدوى..
إنَّ في هذا لَقُصورٌ كبير، وخللٌ، يكشِفُ أنَّ قُوانا السياسية، إما "تكلَّست" وإما تخشى أن تُراجعَ نفسَها، وتكشفَ عيوبَها.. وكي لا أظلِم، فقط، أشيرُ إلى تجربتي المغربِ وتونُس، فهُما لا تشذَّانِ كثيرا عن النمطِ المعمَّمِ على العالمِ العربي، لكنَّهُما استفادتا مِن تجربتَيهِما، وتجاربِ الآخرين، وتحاولان الإفلاتَ منَ المآزقِ والمنزلقاتِ المحتملة.
وبقدرِ ما كشفَ "الربيعُ العربيُّ" ضعفَ القُوى السياسيةِ وعدمِ قدرتِها على استيعابِ المتغيراتِ ومُجاراتِها، كشفَ -أيضا- أنَّ الدولةَ العميقةَ راسخةٌ ومتجذرة، ولَها ثقلُها وأنماطُها وآلياتُها للمحافظةِ على كينونَتِها، ومجابهةِ التغييرِ وقُواه.. فهِي، أي الدولةُ العميقة، وتحتَ ضغطِ الواقعِ قبِلَتْ أن ترى القُوى السياسيةَ تنشطُ في محيطِ سيطرتِها لا في صُلبِها، وفي اللحظةِ التي بلغتْ هذهِ القُوى صُلبَ الحكمِ أُطيحَ بها، لأنّ الدولةَ العميقة، في العمومِ، لا تقبلُ أن يُزاحِمَها أيُّ مكونٍ سياسيٍّ على التحكمِ بصُلبِ الدولةِ وعَصبِها الرئيس.
وهذا بذاتِه، يدلُّ على أنَّه برغمِ محركاتِ "الربيعِ العربي"، وبرغمِ ما أحدثَهُ مِن هزٍّ لأركانِ الدولِ، وإسقاطِ بعضِها، إلاّ أنَّ هذهِ الدول، بما فيها التي سقطَ رأسُها، بقيتْ بُناها وآلياتُها فاعلة، وقادرةً على احتواءِ التغييراتِ، ومِن ثُمَّ الانقضاضِ عليها لتصفيَتِها، مِن غيرِ أن تُفكِّرَ في تغييرِ قواعدِ اللُّعبة، والتأسيسِ لشراكاتٍ معَ الآخر.
الأخوات والإخوة،،
علينا أنْ نُدركَ، وبوضوح، أنَّ بيئةَ الشراكاتِ في العالمِ العربيِّ غيرُ متوفرة، ولا أظُنُها وشيكة، وكلُّ ما هو متاح، ليسَ أكثرَ مِن شَراكاتٍ جزئيةٍ، مُتَحَكَّمٍ بها، ومنسقة، فهذا أقصى ما تستطيعُ الأنظمةُ أن تتعايشَ معَه، وتقبلَ بِه، وعدا ذلكَ ليسَ متاحا، ولو كانَ متاحا لكان أداءُ الأنظمةِ العربيةِ على درجةٍ مِنَ الاختلافِ..
وأيُّ اختلافٍ في أداءِ الأنظمة، يُفضي إلى الشَّراكةِ، سيعني، بالضرورةِ، ولوجَ عصرِ الديمقراطيةِ، ولوجاً حقيقيا، لا تَلاعُبَ فيه، أو محاولة التحكُّمِ في إفرازاته.. ومثلُ هذهِ الديمقراطية، لها أداتُها المجَرَّبَةُ في التأسيسِ للشَّراكةِ.. وأهمُّ أدواتِها، صندوقُ الاقتراع.
والمقصودُ هنا، الانتخاباتُ بكلِّ تصنيفاتِها- فهيَ المدخلُ إلى الشَّراكةِ السياسية، لأنَّ الأنظمةَ التي تقبلُ بعمليةٍ انتخابيةٍ شفافةٍ ونزيهة، وأسَّستْ لها بيئةً سياسيةً وتشريعيةً مناسبة، هي التي تُريدُ الشَّراكة، وتسعى إليها، وهي التي تقبلُ بفتحِ السلطةِ للقُوى الفائزة، في سياقِ تداولٍ سلميٍّ للسُّلطةِ.
بغيرِ ذلكَ لن تكونَ لدينا، في الوطنِ العربي، أيُّ قُوى سياسيةٍ صلبةٍ متماسكة، فتداولُ السلطةَ يُثري تجربةَ هذهِ القُوى، ويختبرُ ما لديها من برامجَ وتوجهاتٍ واجتهادات..
وحتى لو لم تبلغْ هذهِ القُوى، أو بعضُها، السلطة، فهي، بالانتخابِ وتمثيلِ الناسِ، تنتقِلُ من الحالةِ الهامشيةِ الطرفيةِ في الدولةِ، إلى فاعلٍ مؤثر، إن لم تملكِ السلطةَ بالتداولِ، ستملِك بعضَ أدواتِها، وفي أقلِّها التشريعيةَ والرقابية.
وهذهِ المسألةُ تحديدا، اعتقدُ بحتميَّتِها، وإذا لم تكنْ وشيكةً بالنظرِ إلى الواقعِ الراهن، فحركةُ التاريخِ لا تعودُ إلى الوراءِ ولا تتجمَّدُ عندَ لحظةٍ معينة، بل هيَ حركةٌ مستمرةٌ دائمة، تُسهِمُ في بناءِ الوعيِ وتُعظِّمُ قدراتِ التفكير. وأنظمةُ الوطنِ العربي، أكثرُ مَن عليها أن تلتفِتَ إلى حركةِ التاريخِ واستحالةِ الثباتِ وإدامةِ الراهن..
والقُوى السياسية، أكثرُ من عليها أنْ تُدرِكَ واقعَها وتراجِعَه، وتستكشفَ نقاطَ ضعفِها، وسببَ عدمِ قُدرتِها على التقدمِ خطواتٍ إلى الأمامِ، فذلك، مُهِمٌّ ومُفيد، في معالجةِ الجزءِ المتعلقِ بها مِنَ الخللِ، لأنَّ تجاوزَ إشكالياتِها خطوةُ ضروريةٌ في طريقِ إقناعِ أنظمةِ العالمِ العربيِّ أنْ ليس بمقدورِها التجاوزَ عنها لزمنٍ طويلٍ.. وليس متاحا لها أن تُقصيها وتُهمِّشَها إلى الأبدِ.
الأخوات والإخوة،،
الشَّراكةُ السياسية، ليست ترفا، بل حاجةٌ وضرورة.. ومن المؤسفِ أنَّ لا أساسا موضوعيا لها بعدُ في الوطنِ العربي، ولا أدري بأيِّ السبلِ يُمكن أنْ تقتنِعَ الأنظمةُ العربية، بلزومِ المبادرةِ إلى تعبيدِ طريقِ الشَّراكةِ لجعلِها واقعا معاشا.. وأن تقتنِعَ بأنَّ ضَعفَ العالمِ العربيِّ والهيمنةَ الغربيةَ عليها تعودُ في أحدِ أسبابِها إلى انعدامِ الشّراكةِ الحقيقية؛ التي لو توفرتْ لكانتْ عونا للأنظمةِ في مقاومةِ كلِّ هيمنةٍ خارجية..
وإلى أن تصِلَ الأمورُ إلى اقتناعِ الأنظمةِ والقُوى السياسيةِ بأهميةِ مراجعةِ واقِعِها، هذا إذا اقتعنتْ بالأساسِ بقيمةِ المراجعة، فإنّي اقترِحُ على هذهِ النخبةِ الطيبةِ أنْ تُشكِّلَ فريقا خبيرا متمكنا يدرسُ حالةَ الشَّراكةِ السياسيةِ في الوطنِ العربي، ويُشخِّصُها تشخيصا دقيقا، ويضعُ لنا تصوراتِه، وما يجبُ فعلُهُ لإعادةِ بناءِ الواقعِ مِن جديدٍ وعلى أساسِ التشاركيةِ الفُضلى.
أشكرُ للداعينَ كريمَ دعوتِهِم، وللحضورِ كريمَ اهتمامِهِم..
والسلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاته








