العبقري المُتعلِم من أخطائه!
"توخيل ودورتموند؟ هذا إرث يورجن كلوب، كل من هم في الفريق الآن اختيارات كلوب وهو من وضع حجر الأساس، توخيل مجرد مكمل" كانت هذه العبارة هي بداية حوار مع صديقي حول بوروسيا دورتموند هذا الموسم، الفريق الأفضل في ألمانيا بعد البايرن، الفريق الأقوى في الدوري الأوروبي، الفريق الذي صمد في منافسة بايرن محليًا بصورة لم يكن يتوقعها ربما أكثر المتفائلين من مشجعي دورتموند على الإطلاق.
عن نفسي، اعتبر أن الجملة التي يرددها البعض بأن دورتموند الحالي هو إرث كلوب، شيء من الإهانة لذلك المدرب الرائع، الذي حقًا يستحق لقب عبقري "توماس توخيل"، ليست الإهانة فحسب، بل هي تقليل من العمل العظيم والجبار الذي قام به مدرب ماينتس الأسبق، والذي حوّل من خلاله دورتموند من فريقٍ عادي لا يختلف كثيرًا عن فرق البوندسليجا كما كان الحال آخر 3 سنوات لكلوب، لفريق آخر، فريق لديه شخصية بطل، لا اعتبرها مبالغة إن قلت أنه قادرٌ على مقارعة كبار أوروبا، بعد أقل من سنة من توليه المهمة!.
في الوقت ذاته، فإن كلوب نعم يمتلك جزءً من الفضل على حالة دورتموند الحالية، ولكن جزء صغير.. صغير جدًا، فاختيار اللاعبين أو تطويرهم لا يعني أنك قمت بالعمل كله، وإلا لكان ألكسندر تسورنيجر مدرب شتوتجارت السابق مدرب عظيم، عندما طوّر دانييل ديدافي وسيري دي ولوكاس روب وغالبية لاعبي الفريق، ولكن ماذا كانت النهاية؟ تركهم في المركز الأخير من جدول ترتيب البوندسليجا، ليأتي من بعده يورجن كرامني ويُعدِل الوضعية، ويجعل الفاو آف بي متماسكًا إلى حدٍ كبير، مستغلًا أولئك من طورهم تسورنيجر، أهذا يعني أن تسورنيجر هو سبب نهضة شتوتجارت؟ أم نقل هنا أن كرامني هو الذكي الذي عمل على تطوير ما طُوِّر من الأساس؟.

القضية ببساطة أن كلوب ترك خامات جيدة، فشل هو نفسه في استخدامها بالطريقة الصحيحة، فأداء هنريك مخيتاريان أو أوباميانج وحتى هوملس مع كلوب في آخر سنتين أو ثلاث، لا يأتي نصفًا من أدائهم في الوقت الحالي، وهو ما يمكن أن يتضح بالأرقام طبعًا، ويتضح أكثر من خلال ما فعله كلوب نفسه مع أوباميانج تحديدًا، عندما ظلّ لمدة سنتين يقتله على الجناح، وعندما علم بفشل فكرته أعاده للعمق قبل شهرين أو ثلاثة من رحيله، حتى أوباميانج مع كلوب كمهاجم صريح، أو "ميكي" كصانع ألعاب، لم يكونا بنفس الجودة الحالية أبدًا.
ما الذي صنعه توخيل إذًا من خلاله حوَّل دورتموند لدورتموند الحالي؟
لازلت اتذكر جيدًا أحد تصريحات توخيل بعد تركه لماينتس وجلوسه في منزله لعام للراحة، عندما سُئل عن ماذا فعل في تلك الأونة، هل كانت مجرد راحة؟ أجاب بأنه "تعلم"، فجلس مع بيب جوارديولا مدرب البايرن وتحدث معه كثيرًا، إلى جانب متابعته لتدريبات ومباريات مختلفة، هذا من أسرار التفوق، فالكرة التي يلعبها دورتموند مع توخيل تشبه إلى حدٍ كبير "التيكي تاكا" الشهيرة ولكن بصورة أكثر إيجابية عن بايرن، وأوسع واقعية والأهم أنها من العمق أكثر منها من الأطراف، اعتماد دورتموند الأساسي هو على العمق على عكس بايرن الذي لو غاب عنه دوجلاس كوستا أو آريين روبين أو الأجنحة غالبًا ما يفقد نصف قوته الهجومية.
الاختراق من العمق كانت سمة مع كلوب ولكن في الأغلب كان يحبذ الفيلسوف الألماني كما يُكنى من محبيه، أن يخترق من الأطراف التي كانت طريقه الأول مع وجود ذلك المهاجم القوي الذي يستفيد مما تمنحه له الأطراف كلوكاس باريوس ومن بعده روبرت ليفاندوفسكي مثلًا، حتى حفظ تقريبًا كل مدربين البوندسليجا هذا الأسلوب الذي وصل إلى أعظم فترات عقمه في 2014، ربما كانت الإصابات عاملًا ولكن الشلل والجمود الفكري الذي أصيب به كلوب جعل من فريقه خصمًا سهل المنال، أغلق الأطراف عليه وراقب مهاجمه جيدًا واعتمد على المرتدة وانتهى الأمر!

أما مع توخيل، السبيل الأول للوصول كان العمق، لكن التنويع عبقري وأكثر من رائع، فأنت كخصم لدورتموند لا تعرف إن أغلقت الطرف على رويس مثلًا أو دورم من أين سيأتي مخيتاريان أو كاسترو، والعكس، التنوع جعل من دورتموند فريقًا مميزًا، والنقطة الأهم هي طريقة 3/5/2 التي طبقها مؤخرًا، التي تمنحه حلولًا إضافية سواء هجوميًا أو دفاعيًا.
النقطة الأكثر أهمية التي صنعها توخيل أنه جعل فريقه لا يكترث كثيرًا بالإصابات أو الغيابات، حتى لو غاب أوباميانج نفسه فليست أزمة وإن كان بديله من أسوأ مهاجمين العالم "أدريان راموس"، فهي منظومة ثابتة لا تتغير، الأمر الذي حقًا قُتِل في أواخر عهد كلوب، طبعًا لست في حاجة لأذكر بأن هذا كان السبب الرئيسي في استمرار دورتموند بنفس المستوى طيلة الموسم.
دورتموند توخيل على الطريق الصحيح
لولا أن دورتموند منافسه هو بايرن، وبايرن يدربه مدرب كجوارديولا يقتل أي خصم ضعيف، لكان دورتموند هو بطل البوندسليجا بلا أدنى شك، أسلوب "one side game" المتبع من جوارديولا أمام فرق كهانوفر وشتوتجارت وهامبورج وغيرهم يقتلهم ويجعلهم يتابعون المباريات من بعيد ويدخلون بآمال شبه معدومة، بالتالي يستطيع تجميع عدد كبير جدًا من النقاط وقلما يسقط.
بشكلٍ عام فإن دورتموند مع توخيل على الطريق الصحيح جدًا، أظن أن هدف هانز يواخيم فاتسكه هو إعادة دورتموند للوصول إلى منصة التتويج في البوندسليجا أكثر من المشاركة التي ستكون مضمونة لثلاث أو أربع سنوات مقبلة في دوري أبطال أوروبا مع توخيل، هدفه سيتحقق اتوقع، مع قدوم مدرب كأنشيلوتي، هو مدرب عظيم بلا جدال، ولكن تركيزه على الدوري على الأغلب سيكون أقل بكثير من تركيزه على الكأس ذات الأذنين وإعادتها للأليانتس آرينا.
توخيل.. "المُتعلِم من أخطائه"
السمة الرئيسية للنجاح هي أن تخطئ ولكن في الوقت نفسه تتعلم من أخطائك، هنا الحديث عن توماس توخيل، توخيل تفلسف أمام بايرن ميونخ في مباراة الذهاب بالدوري وسُحِق بالخمسة، ولكنه تعلم.. التعلم جعله يعود بصورة أقوى، جعله يحوِّل فريقه للأفضل، وهذا الأمر يحسب له كثيرًا.
المُتعلِم من أخطائه كما أحببت أن اسميه، تحديه أن يكمل ما بدأه هو، ما بدأه هو في الموسم الحالي في الموسم المقبل، وأظن أنه قادر حتى ولو رحل مخيتاريان كما هو متوقعًا ومعه جوندوجان، هذا الرجل لديه القدرة على إيجاد البدائل وتطويرها للأفضل بصورة عبقرية، ليس هناك مثالًا أدل من "يوليان فايجل" الذي اختاره صاحب الـ 42 عامًا بدلًا من يوهان جايس بسبب الأموال الطائلة التي طُلبت من ماينتس لبيعه، فصار فايجل - الذي أتى من ميونخ 1860 وهو مجهول للجميع - تحت ولاية توخيل من أفضل اللاعبين في منتصف الملعب بألمانيا، وصار أفضل بكثير من جايس الذي دُفِن إلى حدٍ كبير في شالكه.
إنكار دور كلوب في دورتموند هو جحود

كما قلت مسبقًا، كلوب له دور في دورتموند الحالي ولكنه قليل، ولكن في الأساس يحسب لكلوب أنه السبب الرئيسي في حديثنا عن دورتموند اليوم، فلولا مشروعه وعبقريته ما وصل أسود الفيستيفالين لما وصلوا له الآن أبدًا، ولا أحد ينسى ما قدمه من 2010 لـ 2013، ومن ينسَ ذلك يكن جاحدًا وغير عادلٍ.جول








