روبوت
جو 24 :
كتبت: شذى خالد -
ترك جهاز التحكم من يده ووضعه جانباً ،غادر أريكته بثقل تاركاً مذيع الأخبار يثرثر مع نفسه، لم يعد هناك أي شيء يغريه لمشاهدة الأخبار، وقف على الشرفة وأتكأ على الحائط ... أخرج علبة السجائر والولاعة ليبدأ بها يومه .الدخان المتصاعد من سيجارته لم يجد صعوبة بالاندماج مع الهواء فكلاهما لونه أسود .. شرفته التي تطل على المدينة لا تمنحه سوى اطلالة باللون الأبيض والأسود .. الأسود من الدخان الذي يملأ سماءها والأبيض من تلك الوجوه الشاحبة التي تتحرك كالأشباح.
الوقوف على الشرفة ... التدخين ... رؤية المدينة ... مشاهدة ازدحام السير وسماع أبواق السيارات والشتائم التي تصدر من سائقيها فضلاً عن استنشاق عوادم السيارات التي أصبحت جزءاً من جهازه التنفسي ...
كل هذا لم يكن يعني له أي شيء سوى صورة بالأبيض والأسود وبلا صوت ،هو مجرد روتين اعتاد عليه طيلة السنوات السابقة حتى أصبح لا يميز بين الأشكال والأصوات والروائح ... مجرد روتين تم برمجة عقله عليه .. أعتذر تم برمجة جسده عليه .... فعقله لم يعد موجوداً منذ فترة طويلة جداً .
يعود من الشرفة ليكمل باقي روتينه ... تأخذه قدماه للمطبخ ( فقدماه حفظت طريقه المعتاد) يفتح الثلاجة ..يملأ يديه بتلك المعلبات والدهون والأطعمة السريعة ومشروباته التي عودوه عليها ... ليعود بحركة آلية إلى أريكته ... يرمي بجسمه على الأريكة ... يقلب قنوات التلفاز .. يبقى على هذا الحال طيلة اليوم ... يعود أبناؤه من المدرسة ... يرمون حقائبهم أرضاً ويجلسون بجانب والدهم على الأريكة ويبدأون بمشاهدة التلفاز معه ... ويصرخون على أمهم لتحضر لهم الغداء ويستمرون على هذا الروتين ... كحال كل عائلة .
هم أشبه بالروبورتات التي تتم برمجتها وفق أهواء صانعها ... فالصانع يبرمجها على أفكاره ومزاجه وعلى ما يريد منها فعله ... فهي مسيرة وفق أهوائه لا تملك سوى الطاعة والولاء الكامل له ،لاتملك حريتها ولا حق التفكير والاعتراض ... فهي مجرد آلة.
اذن ماذا بالنسبة لهؤلاء من هو مبرمجهم هنا وما هي مصلحته من هذه البرمجة؟!







