ماذا يجري في العراق ؟

عريب الرنتاوي


حسمت الأحداث الدائرة في العراق التكهنات حول أيٍ من دول الجوار، سيتلقى على نحو واسع، تداعيات الأزمة السورية وانعكاساتها..من قائل إن لبنان سيكون “الهدف التالي” لموجة العنف والانقسام المذهبي، إلى قائل إن الأردن، سيكون في صدارة المتضررين بالأزمة السورية الممتدة..إلى متنبئ باحتلال العراق موقع الصدارة في لائحة “المصابين” بفيروس العنف الأهلي، الذي تفاقم وانتشر في سوريا كما لم يحصل من قبل.

الأردن، بخلاف لبنان والعراق، ثمة دولة مركزية قوية، تتبع لها أجهزة ومؤسسات أمنية وعسكرية وسياسية، مكّنت البلاد من تفادي “السيناريو الأسوأ”..أما في لبنان، حيث الطوائف أكبر من الدولة، والجيش أضعف من المليشيات في كثيرٍ من مناطق نفوذها ومربعاتها الأمنية..فليس هناك “قرار دولي” بتفجير الساحة الداخلية، بل ثمة ما يؤكد وجود قرار إقليمي ودولي، بإبعاد لبنان عن أتون النار السورية الحارقة، وإلا لكان البلد برمته، قد اشتعل واحترق.

في العراق، ما زالت الدولة قد التشكل، دولة ما بعد البعث وصدام حسين..والمؤسف أن إعادة تشكيل الدولة بمؤسساتها المختلفة، اتخذ منذ “بريمر”، طابعاً مذهبياً و”إقليمياً”..وكفل دستور العراق الجديد للمحافظات المرسومة حدودها على خطوط التقسيم المذهبي و”القومي”، لكل محافظة حق التحول إلى “إقليم”، في فيدرالية طوائفية ومذهبية، وليس فيدرالية إدارية وتنموية، كما هو حال كثيرٍ من فيدراليات العالم.

ما يجري في المحافظات السنيّة في العراق، له أسبابه ودوافعه الداخلية، الناجمة عن تحوّل الأحزاب والقوى المذهبية، إلى “ممثل شرعي وحيد” للطوائف والأقوام..تشترك في السلطة، وفق نظام بغيظ للمحاصصة و”الكوتات”، وقد باتت جزءاً من مشكلة العراق، بدل أن تكون عامل إسهام بتوفير الحلول لأزماته..وإذا كان خصوم المالكي يأخذون عليه “مذهبيته”، ونحن نشاطرهم مآخذهم هذه، إلا أن هذه “التهمة” تصبح بلا قيمة عمليا وسياسياً، حين تصدر عن قوى متورطة في “المذهبية” من رأسها حتى أخمص قدميها.

لكن القراءة الموضوعية لما يجري في العراق، تبقى ناقصة إن لم تستكمل “بعدها الإقليمي”..والبعد الإقليمي للحدث العراقي، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن هناك محور خليجي - تركي، أخذ يضيق ذرعاً بالمالكي وحكومته، وهيمنة “لون سياسي ومذهبي واحد” على السلطة في بلاد الرافدين..محور بات ينظر لحكومة المالكي بوصفها “صلة الوصل” الجيو-استراتيجي” بين إيران وسوريا، بل وينظر للعراق، بوصفه امتداداً للأزمة السورية، وللإطاحة بالمالكي، بوصفها مقدمة ضرورية للإطاحة بالأسد، وعزل إيران وتصفية نفوذها ودورها في المنطقة.

ما يجري في العراق اليوم، لم يبدأ “بانتفاضة السنة العراقيين” في محافظاتهم..مقدماته أبعد من ذلك بكثير..لكن أبرز محطاته القريبة، تمثلت في “المؤامرة” على القمة العربية التي استضافتها بغداد، إن بالعمل على تعطيلها ومنع انعقادها، أو بالسعي لنقل مكانها إلى عاصمة عربية أخرى، أو بالمقاطعة و”الحضور الذي يعادل الغياب”، بالنسبة لدول المحور المذكور.

ومن مقدمات ما يجري في العراق، ما شهدته هذه الساحة الملتهبة من انتعاش لعمليات القاعدة والجماعات “الجهادية” التي لعبت دور “رأس الحربة” لعدد من دول الإقليم، لإضعاف حكومة المالكي والائتلاف الذي تمثل، والتحالفات التي تندرج فيها.

من دون أخذ هذا البعد الإقليمي التحريضي، الذي ينعكس تحت الأرض بدعم “الجهاديين” والحض على “الفيدراليات السنيّة”، حتى وإن أدى ذلك إلى تقسيم العراق يصعب فهم حقيقة ما يجري في الأنبار والموصل...أما في الفضاء، فتلكم حكاية أخرى، ومن يتتبع القنوات التلفزيونية الناطقة باسم هذا المحور..من يتابع تصريحات المسؤولين في عواصمه، يدرك تمام الإدراك أنه يُراد إشعال نيران حرب ضروس، ظاهرها الدفاع عن “مظلومية السنّة” في العراق، وباطنها يخفي اصطفافات ومصالح، لم تعد خافية على أحد.

إنها اللعبة ذاتها، منذ أن تم استبدال إسرائيل بإيران، بوصفها “العدو” للعرب..وما ترتب على هذه اللعبة من إعادة نظر في الأولويات والتحالفات..فبات إسقاط المالكي فريضة عين على كل “سنّي وسنيّة”..وأصبح حفظ “أمن الخليج” مقدماً على حفظ أمن سيناء..وإنهاء الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث، مقدما على الصراع العربي الإسرائيلي، وبرنامج طهران النووي أشد خطورة على أمن الخليج و”بيئته” من ديمونا وبرنامج إسرائيل النووي العسكري الناجز..إنها تداعيات إعادة تعريف العدو، التي عملت عليها أطراف عديدة، وبإسهام عربي نشط، من دون أن يدرك “أولو الأمر”، أنها لعبة محكوم عليها بالفشل، وأن لاعبها كاللاعب بالنار، وأنهم وأنظمتهم، ربما يكونون في صدارة ضحاياها.
(الدستور )
تابعو الأردن 24 على