سوء تقدير وخطأ في الحساب

عريب الرنتاوي

من بيروت إلى طهران، مروراً بدمشق، تعالت صيحات النصر مبكراً..الجيش السوري يحقق تقدماً على عدة محاور، في ريف دمشق وحمص وحول حلب..في الوقت الذي عادت فيه المعارضة للشكوى من قلة المال والسلاح، بعد ضعوط واشنطن المتزايدة على “المانحين الخليجيين والأتراك”..فيما انقسامات المعارضة السياسية والعسكرية، تبدو عصيّة على التجسير، لا بالمجلس العسكري الجديد برئاسة الضابط المنشق سليم إدريس، ولا بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة برئاسة معاذ الخطيب.

الأسد، بدا في خطابه كمن يملي شروطه على الآخرين، ومن موقع المنتصر، رغم أن دوي القذائف والصواريخ، ما زال يتردد في جنبات قصره الرئاسي..إيران رددت صحيات النصر السوري، معتبرة على لسان مرجعياتها العسكرية بأن ما يجري في محيط دمشق، انتصار رابع يسجل لمحور المقاومة والممانعة..فيما جبهة النصرة، تكاد تغطي على الجيش الحر وتطغى الفصائل المسلحة الأخرى، وبما يثير قلق الغرب وحذره الشديدين، وبما يكفي لدفع حكومة نتنياهو لبناء سياج الكتروني على طول الحدود مع سوريا، بذريعة أن الجيش النظام أخلى مواقعه هناك لصالح “الجهاد العالمي” على حد تعبير بينيامين نتنياهو.

ثمة مؤشرات عديدة، تعمل لصالح الأسد ونظامه..تحذيرات البابا بنديكتوس السادس عشر من “المذبحة السورية” وتحويل سوريا إلى “كومة من الخراب والدمار”...تحذيرات الكنيسة الأرثوذكسية الروسية من مخاطر تهجير المسيحيين السوريين إلى الغرب، وبتواطئ من العواصم الغربية ذاتها..ومن هذه المؤشرات أيضاً، جنوح بعض أطراف “الحسم العسكري” في سوريا، لخيارات الحل السياسي وترك مستقبل سوريا ونظامها ورئيسها للشعب السوري (البيان المصري – السعودي)، وحديث أحمد أوغلو عن حوار بمشاركة ممثلية عن “الدولة السورية”..ومنها الغياب الكامل لدعوات التدخل العسكري وفرض ممرات آمنة ومناطق حظر طيران.

الرئيس الأسد، يراهن كما قال بوضوح في خطابه على “تحوّل ما” في الموقف الأمريكي، ألم يقل بأنه يفضل التحاور مع “السادة” على الحوار مع “العبيد”، والسادة هنا هم أصحاب القرار الإقليمي – الدولي، أما العبيد فهم المعارضين المرتبطين بها، وفقاً لتصنيفات الأسد، وثمة رهان سوري على أن واشنطن، بعد استكمال بناء إدارة أوباما الجديدة (كيري – هييغل)، ذاهبة إلى “الصفقة الكبرى” مع روسيا..ذاهبة إلى الحوار والتسويات والصفقات، وليس إلى الحسم المفضي للفوضى غير البناءة، مستفيدة من درسي العراق وليبيا.

وثمة رهان في دمشق، على أن تداعيات الأزمة السورية الإقليمية، بدأت تعطي أُكلها..وأن الإقليم بأسره، وليس سوريا وحدها، تغلي على مرجل الحرب الأهلية السورية..العراق يكاد لا يفصله عن الانفجار الكبير، سوى مواجهة دامية واحدة...ولبنان ناء بحمل اللاجئين وانقساماته وتوتراته الثقيلة..وتركيا التي انكفأ دورها في الأزمة السورية إلى ما دون الدور القطري، تواجه تحديات ستتكشف عنها صناديق الاقتراع في الانتخابات المقبلة...والأردن يعاني صداعاً مستمراً اسمه “مخيم الزعتري” ويسكنه القلق من تحول سوريا برمتها، إلى “أنبار 2”.

لكن الذي لا تدركه القيادة السورية، أن هذه التبدلات والتغييرات، ذات طبيعة مؤقتة ومتحركة..فالتقدم على الأرض، ما زال يُقاس بحسابات التكتيك وليس الاستراتيجية..والمعارضة، وإن كانت فقدت قدرتها على شنّ هجمات استراتيجية، إلا أنها قادرة على خوض حرب استنزاف طويلة الأمد، ستنهك الدولة وتفكك المجتمع وتدمر الاقتصاد والحياة..أما المجتمع الدولي، فهو وإن جنح لخيار “الصفقات والتسويات”، إلا أن إجماعه ما زال قائماً على القول بأن عصر الأسد قد انتهى، وأن لا مكان للرئيس في إدارة مرحلة الانتقال، ولقد اتضح ذلك من ردات الفعل العنيفة والغاضبة على الخطاب الخامس للرئيس.

نعم، ثمة فرصة لصفقة سياسية مع سوريا وحولها، تضع حداً للذبح والقتل اليوميين..لكن كافة القراءات السياسية لمواقف الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية، تؤكد أن لا مكان للأسد في مستقبل سوريا..الغرب قابل بنظام الأسد ولكن من دونه..والخيار هنا متروك للقيادة السورية لتقرر ما إذا كان الاحتفاظ بـ”رأس النظام” جدير بكل هذه المذابح والخراب.

ثمة فرصة أمام النظام السوري للاحتفاظ بعموده الفقري، مع توسيع دائرة المشاركة فيه، وتغيير آليات الحكم والسلطة، ولكن من ضمن ثوابت ومحددات تتصل بالسيادة والاستقلال والموقع والدور..لكن السؤال الذي يتعين على القيادة السورية أن تجيب عليه، ومن موقع المسؤولية الوطنية والحرص على سوريا التي نعرف: هل ستفقد سوريا استقلالها وسيادتها وموقعها ودورها، إن تخلى الرئيس عن صلاحياته لحكومة انتقالية، أو إن تنحى لصالح “مجلس رئاسي” من النظام والمعارضة؟.

هل تعتقد القيادة السورية حقاً، أن الرئيس يمكن أن يحكم لولاية أخرى، بل وأن يجري انتخابه لولاية رئاسية إضافية، بعد كل هذا الذي شهدته سوريا في عهده، وبصرف النظر عن درجة المسؤولية التي يتحملها شخصياً فيما آلت إليها سوريا..هل باتت سورياً عاقراً عن أن تلد زعماء ورؤساء يحفظون لسوريا وحدتها وسيادتها واستقلالها ودورها “المقاوم والممانع”؟.

ثمة فرصة تلوح في أفق الأزمة، نخشى أن خطاب الرئيس قد بددها..ونخشى أن يكون القوم قد وضعوا معياراً للنصر أو الهزيمة هو بقاء الأسد أو رحيله...ألم يُقَل لنا في 1967 بأن إسرائيل هزمت في حرب الأيام الستة لأنها عجزت عن زحزحة بعض الحكام العرب عن مقاعدهم...هل هي القاعدة ذاتها يُعاد انتاجها سورياً هذه المرة..وما نفع بقاء الرئيس فوق جبال من الجثث والجماجم والخرائب..وما قيمة الرئاسة إن ضاعت البلاد وتقسم العباد وعمّت الفوضى والخراب؟.
(الدستور )

تابعو الأردن 24 على