الابراهيمي اذ يقطع قول كل خطيب

عريب الرنتاوي

حتى موسكو، لم تستطع الدفاع عن «الخطاب الخامس» للرئيس السوري بشار الأسد، كل ما ورد على لسان الناطقين باسمها، أن الخطاب تضمن «بعض الأفكار التي يتعين أخذها بالاعتبار» في محادثات «جنيف 2» التي تبدأ اليوم (الجمعة) بين الإبراهيمي وكل من وليام بيرنز وميخائيل بوغدونوف، أما هذه الأفكار التي يتعين أخذها بالاعتبار، فهي حسب المصادر ذاتها: الحوار، سيادة سوريا واستقلالها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ومن دون التطرف إلى خطة الأسد ذات المراحل الثلاث، وغني عن القول، أن هذه الأفكار، تندرج عادة في باب «لزوم ما لا يلزم».

أما ردة الفعل الأهم والأخطر على الخطاب المذكور، التي «قطعت قول كل خطيب»، فقد جاءت على لسان الموفد الأممي ذاته، والذي طالما اتُّهم من قبل معارضي النظام، بأنه قريب من الأسد، بل ويسعى في «تعويمه»، الإبراهيمي الذي لم تصدر عنه أية انتقادات علنية للأسد منذ تسلمه لمهامه، اعتبر الخطاب «فرصة ضائعة»، واجترار «لمبادرات أخفقت سابقاً»، ووصف الخطاب بالأكثر «فئوية وتحيّزاً»، وهو قال أن لا دور للأسد في مرحلة الانتقال السياسي لسوريا، بل وتحدث عن تطلع الشعب السوري للخلاص من حكم «أسرة الأسد» الذي «طال بعض الشيء»، أما الدور الوحيد الذي استبقاه الموفد الدولي للرئيس السوري، فيتجلى في «قيادة الاستجابة لتطلعات الشعب السوري بدل مقاومتها»،أي باختصار وبكلمة واحدة: «التنحي».

لا جديد في «تحليل الإبراهيمي» لخطاب الأسد، قلنا وقال كثيرون غيرنا كلاماً مماثلاً، الجديد أن هذا «التحليل» يخرج عن الإبراهيمي ذاته، وفي توقيت شديد الحساسية، أي قبل 48 وساعة من اجتماع «جنيف 2»، لكأن الرجل أراد استباق الاجتماع المُنتظر، ورسم سقوفاً عليا وحدوداً دنيا، لما يمكن للتوافق الدولي بين القطبين، أن يراوح حولهما أو بينهما.

لقد أغضبت تصريحات الإبراهيمي النظام بشدة، ومن يستمع للإعلام الرسمي السوري يلحظ تغييراً حاداً في «المزاج» حيال الرجل، وبدأت الحملة من أعوان النظام وحلفائه في عواصم مجاورة، تتركز على الموفد الدولي ومهمته، وللتذكير فقط، فإن خطاب الأسد قد حمل مسبقاً «أمر العمليات» لتنفيذ أوسع عملية للإبراهيمي عندما قال أن الحل الوحيد الذي يقبل به، هو الحل السوري، وليس الحلول الوافدة من الخارج، والإبراهيمي هو «الخارج الوحيد» الذي يحمل في جعبته حلولاً ذات صدقية، ولقد رأينا كيف انفتحت الأبواق ضد الرجل وهي التي سبق لها أن أشادت باستقلاليته وحنكته وعروبيته، خصوصاً بعد تواتر الأنباء عن غياب «الكيمياء» بينه وبين رئيس حكومة قطر الشيخ حمد بن جاسم.

في المقابل، وكما كان متوقعاً، فقد احتفت المعارضة بالإبراهيمي بعد تصريحاته غير المسبوقة، بيد أن هذا الترحيب لم يمنعها من طرح فيض من المبادرات المتنافسة لحل الأزمة السورية (مبادرة هيئة التنسيق، وبعدها بأيام مبادرة المجلس الوطني)، ولا ندري إن كان الحال سيظل على هذا المنوال، أم أن الأطراف ستعود لتغيير مواقفها وتبديل مواقعها، كلما تكشفت جوانب جديدة من مبادرة الإبراهيمي وقراءاته للمشهد السوري.

وحدها إيران، محضت الخطاب كامل دعمها وإسنادها، ورأت فيه خشبة خلاص الشعب السوري من طامته الكبرى، لتكون النتيجة، أن الخطاب والمبادرة، اللذين أُريد بهما لسوريا أن تفكك بعض أطواق العزلة المضروبة حولها، تحوّلا إلى سبب إضافي لإحراج الحلفاء (توطئة لإخراجهم -ربما-)، وتأليب الرأي العام الدولي والإقليمي ضد النظام، لتصح للمرة الألف، مقولة أن أكبر عدو للنظام، هو النظام نفسه، يليه على «سلّم الخطورة»، أصدقاءه وحلفاءه من «الهتيّفة» وذوي «الأجندات والاحتياجات الخاصة» التي لا صلة لها بسوريا ولا مستقبل شعبها، وهي المثقلة بحسابات طائفية ومذهبية وفئوية وحزبية انتهازية، تختلف باختلاف الدول والمجتمعات التي ينتمي إليها هؤلاء.

سوريا، كسائر دول شرق المتوسط، تعيش وسط عاصفة ثلجية قاسية، نجحت في «تبريد» بعض جبهات التماس والقتال، بيد أن العاصفة السياسية التي أثارها «الخطاب الخامس»، لم تتأثر بالعاصفة المناخية أبداً، حتى أنه بات ممكناً القول، أن خطوط التماس السياسي على مختلف جبهات الأزمة السورية، باتت إثر الخطاب وبسببه، أشد سخونة واشتعالاً من خطوط التماس على جبهات القتال في حلب ودمشق ودير الزور وإدلب.
(الدستور )

تابعو الأردن 24 على