هل بدأ موسم «بيع الأوهام»؟!

عريب الرنتاوي
ما أشبه اليوم بالبارحة..فما أن تضع الانتخابات في الولايات المتحدة وإسرائيل أوزارها، حتى يهرع العرب إلى تشكيل الوفود رفيعة المستوى، لتجوب العالم وعواصم القرار الدولي، في مسعى يائس ومُحبط، لاستئناف المفاوضات وإنقاذ ما تبقى من رماد عملية السلام.

المشهد يتكرر الآن، بعد الانتخابات المتزامنة في الدولتين الحليفتين..وجاء صعود يائير لبيد و”هناك مستقبل”، ليوفر لمهمة الوفد العربي المزيد من “المحركات” والدوافع، مع أن الرجل جاء إلى الموقع الثاني في إسرائيل ببرنامج اقتصادي – اجتماعي منبثق من مصالح الطبقة الوسطى في إسرائيل، لا أكثر ولا أقل.

لبيد دعا لاستئناف المفاوضات فوراً مع الجانب الفلسطيني (أليس نتنياهو شخصياً هو صاحب الرقم القياسي في إطلاق مثل هذه الدعوات)..بيد أنه من أشد أنصار “العاصمة الأبدية الموحدة”، الرافض جملة وتفصيلاً لتقسيم القدس وإعادة شطرها الشرقي للسيادة الفلسطينية.

وليبيد كغيره من الساسة الإسرائيليين، لا يؤمن بالانسحاب إلى خطوط الرابع من حزيران ولا إلى وقف الأعمال الاستيطانية، وهو يرفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم..ومع ذلك (وبرغم ذلك)، ما أن صعد نجمه في الكنيست الإسرائيلي، حتى بدأت الرهانات والأوهام اليائسة، بالانتشار كالنار في الهشيم.

كلينتون ترى في نتائج الانتخابات الإسرائيلية “بوابة مفتوحة” أمام عملية السلام..والعرب يستعدون لتسيير الوفود لحث المجتمع الدولي على إحياء عملية السلام..والوهم ذاته بدأ يتسرب للواهمين على الساحة الفلسطينية، لكأننا لم نستفد من تجارب كثير من الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة، أو لكأن “نتنياهو 3” قادر على أن يأتي بما لم يستطعه “نتنياهو 2” او “نتنياهو 1”.

وسوف نقضي الأشهر القادمة خصوصاً بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية واستكمال تعيينات الطاقم الجديد لإدارة أوباما الثانية، في مطاردة “خيوط الدخان والسراب” من جديد..مبادرات تتكاثر كالنبت الشيطاني، وموفدون يجولون في المنطقة جيئةً وذهابا..ومؤتمرات تعقد على عجل أو بعد قليل من التحضير..لكن النتيجة ستظل في نهاية المطاف، كما كانت عليه في بدايته: مزيد من الأنشطة الاستيطانية والابتلاع المنهجي المنظم للأرض والحقوق الفلسطينية..المزيد من الانقسامات الداخلية الفلسطينية على خلفية الصراع على مشروع “وهمي”، بات واضحا لكل أعمى وبصير، أن الهدف منه، هو كسب الوقت وتقطيعه لا أكثر ولا أقل.

قبل لبيد كنا مع أولمرت و- ليفني وحزب كاديما الذي اختفى عن المسرح السياسي والحزبي في إسرائيل..وقبل هذا الطاقم الخارج من رحم الليكود، كنا أمام رابين – بيريز – باراك، ومن خلفهم ميريتس ومعسكر السلام..وبعد لبيد و”هناك مستقبل”، سيظل الحال على حاله..هذه هي اسرائيل، وهذا هو قرارها الاحتفاظ بالأرض والسلام معاً، وليس مقايضة هذا مقابل تلك.

نتنياهو يعتزم تشكيل حكومة موسعة، وهي ستضم الليكود وعدداً من الأحزاب الدينية والقومية اليمينية المتطرفة، فضلا عن “هناك مستقبل”، أقله لتفادي الضغوط الدولية، لكن “البيت اليهودي”، حزب الاستيطان والمستوطنين، الذي كان مفاجأة الانتخابات الثانية، سيكون بالمرصاد للحكومة إن لم يكن جالساً على مقاعدها..وهي “حكومة شلل” بفرض حسن النوايا، بيد أنها حكومة اليمين واليمين المتطرف إن شئنا أن نقيمها بمقياس الموقف من الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وليس بحسابات الداخل الإسرائيلي المستندة إلى اختلاف المواقف من قضايا الضرائب والطبقة الوسطى والتأمين الصحي والخدمة الإلزامية.

لكن الفارق بين هذه المحاولة اليائسة الجديدة لإحياء عملية السلام، وما سبقها من محاولات (يائسة بدورها)، ينحصر أساساً في انتشار القناعة في أوساط الفلسطينيين بعقم هذه المحاولات، وتبدد الرهانات على خيار التفاوض وعملية السلام، وما يقابله ويترتب عليه، من تنامي الانخراط في مختلف أشكال المقاومة الشعبية في الضفة الغربية، وانتشار مظاهر الغضب والثورة في صفوف الأجيال الشابة، ولنا على ذلك شواهد عديدة، من “باب الشمس” و”بوابة الكرامة” إلى انتفاضة الخليل واتساع نطاق الاحتجاجات الشعبية الفلسطينية ضد عدوان إسرائيل الأخير على قطاع غزة.

قد لا يكون الفلسطينيون في وضع يمكنهم من إدارة الظهر لكل هذه الحراكات السياسية والدبلوماسية (أقله من باب تفادي الاتهام المكلف بتعطيل هذه المحاولة)، وهذا صحيح...لكن الصحيح أيضا هو أن هناك فارقا جوهريا بين التعامل مع هذه المحاولة بهذه العقلية ومن على هذه الخلفية، وبين وضع الرهانات على نتائجها المحتملة، وبناء استراتيجية تقوم على هذا “الوهم”.

لا شيء ينبغي أن يتبدل في استراتيجية العمل الوطني الفلسطينية بأولوياتها المعروفة..المصالحة أولاً، حتى وإن كره المبادرون والموفودن..ترتيب البيت الفلسطيني يسبق أية أولوية في العلاقة مع سلطات الاحتلال..تعزيز صمود الشعب الفلسطيني على أرضه وتطوير مقاومته الشعبية، لها الأولوية على أجندة اللقاءات الدولية واستحقاقاتها المعروفة نتائجها سلفاً.

إن أدارت القيادة الفلسطينية معركتها بهذه الروحية وعلى هذه الخلفية، سيكون بالإمكان قطع الطريق على “تجارة الأوهام” ومشاريع “العجز واليأس”، ومحاولات تقطيع الوقت وشرائه..وبخلاف ذلك، تكون كمن لُدغت من الجحر الواحد مرات عديدة.


(الدستور)
تابعو الأردن 24 على