من ثقب زنزانة في «إيمرالي»

عريب الرنتاوي
لأول مرة منذ ثلاثة عقود، تلوح في الأفق بوادر حل سياسي للمسألة الكردية في تركيا..عبد الله أوجلان المصنف ارهابياً والمسجون انفرادياً في جزيرة «إيمرالي»، يتحول بين عشية وضحاها إلى «رجل دولة» و»بطل سلام»، وبعد أن كان وحزبه، حزب العمال الكردستاني، جزءاً من المشكلة، بل المشكلة الأكثر كلفة وتعقيداً لتركيا الحديثة، صار وحزبه، جزءاً من الحل، بل المحرك الرئيس له.

مثل هذا التطور، ما كان ليحدث لولا تضافر جملة من العوامل والأسباب..أولها، إدراك أنقرة بتعذر إن لم نقل استحالة الركون إلى «الحل العسكري» للمسألة الكردية بعد ثلاثين عاماً من الصراع وأزيد من 40 ألف قتيل وعشرات مليارات الدولارات..والثاني، إحساس أنقرة العميق بمخاطر وتداعيات انتعاش الحركة القومية الكردية وبصورة تستعصي على الطمس والاحتواء، سيما بعد انضمام أكراد سوريا إلى أكراد العراق، في المطالبة بالحكم الذاتي وتقرير المصير، ما استوجب التفكير جدياً بمعالجة سياسية وقائية، قبل أن تنفلت من عقالها، ويتعذر احتوائها، وتصبح كردستان الكبرى حقيقة سياسية وجغرافية راسخة..والثالث، تكتيكي ويتمثل في حاجة «العدالة والتنمية» والسيد رجب طيب أردوغان على وجه الخصوص، لبناء ائتلاف برلماني، قادر على تعديل الدستور، بما يلغي النظام البرلماني وإحلال النظام الرئاسي محله، تمهيداً لانتقال أردوغان من محطة رئاسة الحكومة إلى محطة رئاسة الجمهورية، وبصلاحيات كبرى في المحطتين.

هي تطورات إيجابية بلا شك، أياً كانت العوامل التي دفعت إلى حدوثها..بيد أنها بداية مطاف لا نهايته، فثمة الكثير مما لا نعرف عن التوافقات بين أنقرة و»إيمرالي»، ولا ندري ما إذا كانت هذه التوافقات قد شملت مختلف القضايا الشائكة والعالقة بين الجانبين، كما أننا لا ندري ما إذا كانت مواقف أنقرة تنبع من قناعة استراتيجية ونهائية، أم أنها تصدر عن اعتبارات تكتيكية (ارتباطاً بالأزمة السورية) أو انتهازية مؤقتة (الإصلاح الدستوري المنتظر)..وهذا ينطبق أيضاً على الأكراد وأوجلان، هل سينهي الاتفاق مطالبات الأكراد، أم يحملها للاستمرار برفع لوائها ولكن بوسائل سلمية مستوحية لروح ومناهج الربيع العربي..والأهم من كل هذا وذاك، فنحن لا ندري بعد، كيف ستجري عملية ترجمة هذه الاتفاقات على الأرض، ومدى قدرة الأفرقاء المختلفين على احترامها والوفاء بمستلزماتها واستحقاقاتها.

وسوف يكون للتفاهمات بين أنقرة وأوجلان، تداعياتها المختلفة على «دول الشتات الكردي» في إيران والعراق وسوريا..طهران ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع هذا الملف آجلاً أم عاجلاً، وستدرك (نأمل أن يتم ذلك قبل فوات الأوان)، إن حلاً سياسياً للمشكلة، وحده الكفيل بنزع فتيل هذه القنبلة الموقوتة..كردستان العراق، ستتنفس الصعداء بعد أن تحوّلت جبالها الوعرة والشاهقة، من ساحة للمعارك والغارات الجوية والاجتياحات البرية التركية المتكررة على مدى السنوات والعقود الماضية، إلى «قنديل» يضيء طريق السائرين على دروب الحلول السياسية، وستتعزز فرص التقارب الكردي – الكردي على ضفتي الحدود، كما أن فرص العلاقة الكردية – التركية ستتعزز أكثر فأكثر، سيما في ظل التباعد المنهجي المنظم، بين أربيل وبغداد من جهة وبين بغداد وأنقرة من جهة ثانية.

أما سوريا، فستكون ساحة الاختبار المباشر والفوري لتداعيات التوافق الكردي – التركي..كثيرٌ من أحزاب المعارضة الكردية، تناوئ النظام في دمشق، وتتلقى الدعم من أربيل، وعبرها من دول عربية عديدة..أما الحزب الكردي الرئيس، الاتحاد الديمقراطي الكردستاني (الطبعة السورية لحزب العمال الكردستاني – أوجلان)، فسيتعين عليه إحداث الاستدارة المطلوبة في مواقفه وتحالفاته، بما ينسجم مع الصفحة الجديدة التي فتحها أوجلان مع أردوغان..فهل سينقل الحزب الكردي الأكبر والأقوى، بندقيته من كتف إلى الكتف؟..هل سيكف عن التحالف مع النظام في دمشق؟..هل خابت رهانات النظام السوري على اللعب بالورقة الكردية في وجه أنقرة؟، أم أن الحزب سيظل على أولويات أجندته السورية السابقة، وسيبحث عن خلاصه وخلاص شعبه، بإدامة التحالف ولو تكتيكياً مع دمشق؟..أسئلة يتعين التريث قليلاً في البحث عن أجوبة وافية لها.

أياً يكن الأمر، فقد كتبنا في هذه الزاوية قبل أقل من عام، أن الربيع العربي فتح نافذة فرص تاريخية لأكراد المنطقة (العربي يكتون بنار ربيعهم والأكراد يقطفون أزهاره وثماره في نيروزهم)...وقلنا أيضاً أن التاريخ قد يعيد تصحيح مساره، ويعيد «كردستان الكبرى» إلى خرائط الإقليم الجغرافية من جديد..فالمارد الكردي خرج من ثقب زنازنة في «إيمرالي»، والحلم القومي الكردي بدأ بالعراق ونضج في سوريا وها هو يبلغ ذروته في ديار بكر، وعمّا قريب، ستقفز إلى سطح الأحداث قضية «أكراد إيران»، في حركة تعاند وتعاكس ما آلت إليه اتفاقات سايكس بيكو..فأهلا وسهلاً بالمولود الجديد، ودعونا نأمل خيراً ونستبشر بإمكانية محو أثر هذه الاتفاقات وما أعقبها من «وعود من لا يملك لمن لا يستحق»، فيستأنف الإقليم سيرته التاريخية التي كتبتها أممه الأربع الكبرى: العرب والفرس والأتراك والكورد.
(الدستور)
تابعو الأردن 24 على