الشمال «منطقة منكوبة»

عريب الرنتاوي
قد تعلن الحكومة المحافظات الشمالية منطقة منكوبة..هنا تتجه الأردن لمحافظة إربد (لواء الرمثا بخاصة) ومحافظة المفرق، وبدرجة أقل محافظة عجلون..أعداد اللاجئين في بعض الأحياء والبلدات والمناطق، بات تناهز أعداد الأردنيين أو تفوقهم..الضغط على البنى التحتية والتنافس على الوظائف، بات مؤسفاً ومقلقاً..فيما التهديدات من اقتصادية واجتماعية وأمنية، يصعب حصرها.

إن استمر حال الأزمة السورية على حالها..إن اندلعت “أم المعارك” في دمشق، على اتساعها، فإن موجات النزوح النزوح ستبلغ أرقاماً قياسية، لا قبل للأردن عليها، وربما يصبح الأردن بمجمله، منطقة منكوبة..الأردن يحتضن الآن قرابة المليون والمائتي ألف شقيق سوري، وهو رقم عرضة للتضاعف في غضون أشهر معدودات، ما سيجعل من بين كل أربعة أشخاص مقيمين في الأردن، سوري واحد على أقل تقدير.

حتى الآن، يبدو الوضع برمته تحت السيطرة..هناك إمارات غضب وعصبية تسود في بعض أوساط الشعبين الشقيقين (الشاميين) بعضهم حيال بعضهم الآخر، لكنها مفهومة وقابلة للسيطرة والاحتواء..لكن نذر “الكراهية” بين شعبين شقيقين قد تطل برأسها الكريه من بين ثنايا خطاب الشكوى والتذمر والفاقة والعوز، تغذّيها بعض الأصوات العالية والرؤوس الحامية، التي ينحو خطابها وجهة التحريض والكراهية..وهذا أمر يمكن أن تلمسه في أوساط بعض النخب والمواطنيين الأردنيين، مثلما تجد مثيلاً له في بعض أوساط اللاجئين والمقيمين من الإخوة السوريين..هذه نتيجة، لا أحد يرغب بالوصول إليها أو يشتهيها..هذا ليس خياراً للعلاقة الأردنية السورية ولا شكلاً مقبولاً لها، أياً كانت الظروف وكيفما تطورات الأحداث.

في المقابل، لا يبدو أن ثمة في الأفق أية حلول..لا يوجد لدى المجتمع الدولي أي تصور قصير أو متوسط المدى في التعامل مع الاستحقاق..”الشحنات الغذائية” العاجلة، ليست حلاً، ولا “طرود الخير” الخليجية يمكن أن تفي بغرض مساعدة اللاجئين..بعض المصادر تقدر أن يستمر اللجوء السوري في الأردن، لعشر سنوات قادمة، إن لم يكن لكل اللاجئين، فعلى الأقل، لنسبة وازنة منهم، فهل هذا مما للأردن قِبَلٌ على احتماله؟.

لدى الدولة خيارات محدودة، جميعها مكلفة، وسيترتب على الأخذ بأي منها نتائج وتداعيات..إن هي قبلت باستمرار تدفق سيل اللاجئين بلا انقطاع، غرقت البلاد والعباد بسيل من المشكلات والتحديات والأعباء والتهديدات..وإن هي أغلقت الحدود في وجه اللاجئين الجدد، غرقت في فيضٍ من الإدانات والتنديدات الإقليمية والدولية..إن هي دعت لخلق منطقة آمنة ومحمية داخل الأراضي السورية ولجأت إلى مجلس الأمن لهذا الغرض، ستكون كمن يتصدر الصفوف لإعلان حربٍ على النظام.

ما لم تختبره الدبلوماسية الأردنية حتى الآن، هو التفكير بخلق مناطق آمنة ومأمونة، داخل سوريا، منزوعة من السلاح والمسلحيين، بالتوافق مع النظام (والمعارضة) والتراضي مع ، وليس في مواجهته وعلى أنقاضه..مثل هذا الاقتراح، يملي إعادة بعث مجموعة دول “جوار سوريا” على غرار دول “جوار العراق” بعد حرب 2003، يصار من خلالها إلى بعض هموم اللجوء السوري الضاغطة على هذه الدول والمحرجة لحلفاء المعارضة وأوساطها، ولبعض العرب والدوليين.

وتفترض هذه المقاربة، كما قلنا من قبل في هذا الزاوية بالذات، أن استمرار وجود المخيمات واكتظاظها بالوافدين الجدد والقدمى يحرج النظام، وقد يخرجه إلى “حلٍ سياسي” يخفف من معاناة هؤلاء، ويقطع الطريق على طريقة وأنماط توظيفهم واستثمارهم..فهل ستقبل المعارضة بمثل هذا الخيار..هل ستسلم بوجود مناطق يحظر فيها عليها، حمل السلام والتصدي للنظام؟

عامان كاملان مرّا والعالم يتحدث عن ملاذات وممرات ومناطق حظر وكوريدورات من دون جدوى..لا أحد يرغب بالمجازفة ولا أحد يريد إعلان حرب والانخراط فيها..آن الأوان للتفكير من خارج الصندوق، والبحث عن حل توافقي سياسي، مع النظام والمعارضة ورعاتهم، أقله لتجنيب السوريين بعضاَ من معاناتهم. (الدستور)
تابعو الأردن 24 على